أخبار
أميركا تحاسب إمبراطوريتها… حين يعود ثمن الحروب إلى صناديق الاقتراع

أميركا تحاسب إمبراطوريتها… حين يعود ثمن الحروب إلى صناديق الاقتراع
من غزة وإيران إلى جيب المواطن الأميركي… هل بدأت الانتخابات تفكك الإجماع التقليدي حول الحروب وإسرائيل، أم أن واشنطن تغيّر وجوه السلطة وتحتفظ بسياساتها؟
لم يخسر دونالد ترامب الأغلبية الجمهورية في الكونغرس لأن الديمقراطيين أقنعوا الأميركيين بأنهم أفضل منه، بل لأن سؤالاً بدأ يطارد الناخب من محطة الوقود إلى صندوق الاقتراع: لماذا تستطيع أميركا تمويل الحروب وحماية الحلفاء، بينما يعجز مواطنها عن حماية دخله من الغلاء؟ هنا تكمن دلالة انتخابات الثالث من تشرين الثاني 2026؛ فالمسألة لم تعد مجرد صراع بين حزبين على السلطة، بل اختباراً لعلاقة القوة الأميركية بمصالح المجتمع الذي يدفع تكلفتها.
لقد منحت الانتخابات الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وامتد التحول إلى معاقل جمهورية تقليدية. لكن قراءة النتائج باعتبارها انتصاراً ديمقراطياً فحسب تحجب حقيقتها الأعمق: قطاعات من الأميركيين بدأت تحاسب الإدارة على المسافة بين وعودها الانتخابية وسياساتها الفعلية.
وعد ترامب بإعادة الاعتبار لشعار «أميركا أولاً»، وخفض تكاليف المعيشة، وتجنب الحروب الخارجية المكلفة. لكن الحرب مع إيران، واضطراب أسواق الطاقة، والرسوم الجمركية، أعادت إلى الواجهة تناقضاً سياسياً: كيف يمكن تقديم المصالح الأميركية الداخلية أولوية مطلقة، بينما تتسع الالتزامات العسكرية والاقتصادية خارج الحدود؟
ولم تكن الحرب وحدها وراء النتائج. فقد أظهرت استطلاعات الناخبين أن الفساد وتكاليف المعيشة تقدما على حرب إيران بوصفهما عوامل حاسمة في التصويت. غير أن الحرب ساهمت في تعقيد الأزمة الاقتصادية، حتى إن نائب الرئيس جيه دي فانس ربط صراحة خسارة الجمهوريين بها.
وهنا تبدأ القراءة الأعمق: لم تعد السياسة الخارجية الأميركية بعيدة عن الحياة اليومية للناخب. فالمواجهة في الخليج تنعكس على أسعار الطاقة، والإنفاق العسكري يفتح النقاش حول أولويات الميزانية، والتحالفات التي كانت تُقدَّم باعتبارها التزامات استراتيجية ثابتة أصبحت تواجه سؤال التكلفة والعائد.
أما غزة، فقد فتحت باباً آخر في الوعي السياسي الأميركي. فصور المأساة الإنسانية لم تُحدث إجماعاً جديداً، لكنها وسّعت النقاش حول الدعم العسكري لإسرائيل، خصوصاً بين الشباب والتيارات التقدمية وبعض الأوساط اليهودية والمحافظة التي تختلف دوافع اعتراضها.
ولعل فوز عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان، رغم معارضته الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، يكشف جانباً من هذا التحول. فالقضية لم تعد مقتصرة على الهوية العربية أو الإسلامية، بل بات ممكناً طرحها ضمن نقاش أوسع حول حقوق الإنسان والإنفاق العام وأولويات المواطن.
وهذا لا يعني انتهاء نفوذ «إيباك» أو تراجع التحالف الأميركي الإسرائيلي بصورة حاسمة، وإنما يشير إلى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل لم يعد بمنأى عن المنافسة الانتخابية كما كان في مراحل سابقة.
الأكثر أهمية أن هذه التحولات بدأت تثير أسئلة داخل حركة «ماغا» نفسها. فالترامبية التي اكتسبت جانباً من جاذبيتها من رفض حروب الخارج تجد نفسها أمام خلاف حول معنى «أميركا أولاً»: هل تعني تقليص التدخلات العسكرية، أم استخدام القوة لفرض المصالح الأميركية؟
ومن هنا، فإن إعلان وفاة الترامبية سيكون متسرعاً. فخسارة الأغلبية لا تعني انهيار الحركة، لكنها تكشف اختباراً لقدرتها على التوفيق بين شعاراتها وممارسات السلطة.
أما ترامب، فلن يصبح رئيساً بلا صلاحيات. لكنه سيواجه كونغرساً ديمقراطياً يمتلك أدوات التحقيق والرقابة والتحكم في التشريعات والاعتمادات المالية. وقد تتحول حرب إيران إلى ساحة مواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصاً بشأن تمويل العمليات العسكرية وحدود السلطة الرئاسية.
والمفارقة أن هذه القيود قد تشجع التفاهم السياسي، لكنها لا تستبعد التصعيد الخارجي. فلا نتائج الانتخابات تضمن السلام، ولا خسارة ترامب تعني أنه سيبحث بالضرورة عن انتصار عسكري يعوضها.
بالنسبة إلى الأردن والعالم العربي، فإن الخطأ الاستراتيجي سيكون اعتبار تقدم الديمقراطيين ضمانة لتغيير السياسة الأميركية تجاه فلسطين، أو افتراض أن تراجع الجمهوريين يعني تراجع الالتزام الأميركي بإسرائيل. فالمؤسسات والتحالفات والمصالح الأمنية لا تتغير تلقائياً بتغير الأغلبية.
لكن ثمة فرصة لفهم أميركا بصورة مختلفة: ليس من خلال البيت الأبيض وحده، وإنما من خلال التحولات داخل المجتمع والكونغرس والأحزاب وجماعات الضغط. فالقضية الفلسطينية يمكن أن تجد مساحات أوسع للنقاش السياسي والحقوقي، دون أن يعني ذلك أن الطريق أصبح مفتوحاً أمام تغيير جذري في القرارات الأميركية.
والأردن، بما يواجهه من تحديات تتصل بالضفة الغربية والقدس وأمن المنطقة، معني بقراءة هذه التحولات بواقعية؛ فلا يبالغ في التعويل عليها، ولا يتجاهل ما قد تفتحه من إمكانات دبلوماسية.
لقد كشفت الانتخابات أن القوة العسكرية لا تمنح أصحابها حصانة من غضب الناخب، وأن الحروب البعيدة قد تصل فواتيرها إلى أقرب صندوق اقتراع. لكن التغيير الحقيقي لن يُقاس بعدد المقاعد التي انتقلت بين الحزبين، بل بقدرة المجتمع الأميركي على تحويل اعتراضه إلى مراجعة للسياسات التي صنعت الأزمات. فهل بدأت أميركا تغيير اتجاهها، أم أنها اكتفت بتغيير من يراقب القيادة؟ ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنتان المقبلتان.