أخبار
تقرير صادم يكشف أساليب “أبل” القاسية للسيطرة على مورديها وخفض أسعار المكونات

تقرير صادم يكشف أساليب “أبل” القاسية للسيطرة على مورديها وخفض أسعار المكونات
جو24- لطالما اشتهرت شركة أبل بنفوذها الهائل في سلاسل توريد الإلكترونيات، لكن تقريراً جديداً نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال” يكشف أن أساليب الشركة في التفاوض مع الموردين كانت أكثر قسوة مما هو معروف، وأنها استخدمت نفوذها السوقي لفرض شروط وأسعار تفضيلية، حتى في بعض الحالات التي وصلت إلى التهديدات والمواجهات القانونية.
ولإدراك حجم هذا النفوذ، أورد التقرير واقعة تعود إلى أواخر عام 2015، عندما رفضت شركة سانديسك طلبات “أبل” للحصول على كميات إضافية من المكونات، بعدما وجدت عملاء آخرين مستعدين لدفع أسعار أعلى.
ووفقاً لشخص مطلع على المكالمة، هدد توني بليفينز، المسؤول السابق عن المشتريات في “أبل”، أحد مندوبي مبيعات “سانديسك” بالانتقام، قائلاً إنه سيجعل رئيسها التنفيذي آنذاك، سانجاي ميهروترا، “يزحف على ركبتيه عائداً إلى أبل”.
وعلى مدار سنوات، تكررت روايات عن القوة التفاوضية الكبيرة التي تمتلكها “أبل” داخل سلاسل التوريد، فهي واحدة من أكبر المشترين عالمياً لمجموعة واسعة من المكونات، بدءاً من العدسات والرقائق السيليكونية وصولاً إلى شرائح الذاكرة وشاشات العرض.
لكن عام 2026 شهد اضطراباً غير مسبوق في سوق الإلكترونيات الاستهلاكية بسبب نقص رقائق الذاكرة، نتيجة الطلب المتزايد من قطاع الذكاء الاصطناعي.
ولم تكن “أبل” بمنأى عن تداعيات الأزمة؛ إذ رفعت الشركة أسعار عدد من منتجاتها الجديدة خلال العام، كما زادت أسعار بعض المنتجات القديمة، في خطوة غير معتادة، لأن أسعار الأجيال السابقة تنخفض عادةً مع إطلاق الطرازات الأحدث.
وأقرت “أبل” بأن أزمة نقص الذاكرة والارتفاع الناتج عنها في الأسعار يمثلان وضعاً غير مسبوق.
لكن يبدو أن شركات التخزين لا تكتفي بتحقيق أرباح ضخمة من ارتفاع الأسعار، بل ترى في التحولات الحالية فرصة لاستعادة جزء من النفوذ الذي فقدته خلال سنوات هيمنة “أبل” على الموردين.
أساليب تفاوضية قاسية لخفض أسعار الذاكرة
اعتادت “أبل” استخدام قوتها السوقية للحصول على معاملة تفضيلية من الموردين، سواء فيما يتعلق بالحصول المبكر على المكونات، أو ضمان حصص أكبر من الإنتاج، أو فرض أسعار أقل من تلك التي يدفعها المنافسون.
لكن تقرير “وول ستريت جورنال” يصف أساليب التفاوض التي اتبعتها الشركة بأنها تجاوزت حدود الممارسات التجارية المعتادة، ووصلت إلى استغلال قاسٍ لمكانتها في السوق.
وبحسب التقرير، استخدمت “أبل” مجموعة من الأساليب لخفض أسعار شرائح ذاكرة الفلاش التي تحصل عليها من الموردين.
ومن بين هذه الأساليب سياسة عدم الالتزام المسبق بشراء كميات محددة، إذ كانت الشركة ترفض أحياناً استلام شرائح ذاكرة صُنعت خصيصاً لأجهزتها إذا تراجعت أسعار السوق، ما يترك الموردين أمام مخزونات ضخمة يصعب تصريفها.
وكان توني بليفينز، رئيس قسم المشتريات في “أبل” آنذاك، في قلب هذه الممارسات. ويشير التقرير إلى أنه كان ينظم أحياناً اجتماعات متتالية مع الموردين، بحيث تتصادف فرق المبيعات التابعة للشركات المنافسة داخل مقر “أبل”، في محاولة لإثارة التنافس بينها ودفعها إلى تقديم عروض أفضل.
وكانت بعض هذه الاجتماعات تستمر حتى ما بعد منتصف الليل دون فترات مخصصة لتناول العشاء، الأمر الذي دفع ممثلي الشركات إلى إحضار ألواح البروتين معهم للاستعداد لساعات التفاوض الطويلة.
ولم تقتصر الضغوط على الاجتماعات، إذ تضمنت عقود “أبل” بنوداً تسمح لها بمراجعة دفاتر الموردين وحساباتهم، للتأكد من حصولها على أقل سعر ممكن.
وبلغت معرفة “أبل” بعمليات مورديها مستوى عميقاً، مكّنها من الاطلاع على تفاصيل العمليات داخل المصانع وخطوط الإنتاج.
وكانت عمليات التدقيق واسعة إلى درجة أن أبل تمكنت من الحصول على خصم من شركة “ديلويت”، التي كانت تنفذ عمليات التدقيق نيابة عنها.
وفي إحدى الحالات، اكتشفت “أبل” أن شركة ميكرون باعت شرائح ذاكرة فلاش لشركة أخرى بسعر أقل، فرفعت دعوى قضائية بشأن الواقعة، وانتهى النزاع بتسوية حصلت بموجبها على ملايين الدولارات.
مواجهة حادة مع “ويسترن ديجيتال”
لكن الواقعة الأكثر إثارة للدهشة، بحسب التقرير، تتعلق بشركة التخزين العملاقة “ويسترن ديجيتال”، المالكة الجديدة لشركة سانديسك.
وتعود القصة إلى عام 2017 تقريباً، عندما شهد سوق ذاكرة الفلاش نقصاً في الإمدادات، وقررت “ويسترن ديجيتال” مطالبة “أبل” بدفع رسوم لحجز شرائح الذاكرة، دون أن تلتزم الشركة ببيع أي كمية منها لاحقاً.
وأثار هذا القرار غضب بليفينز، الذي كتب تاريخ الواقعة على اللوح الأبيض في مكتبه، وأحاطه بدائرة، ثم أرسل صورة منه إلى مايك كوردانو، أحد مسؤولي “ويسترن ديجيتال” التنفيذيين، عبر رسالة نصية، متوعداً بالرد على الشركة لاحقاً، وفقاً لأشخاص مطلعين على المراسلات.
وبعد عام، عندما تراجعت أسعار ذاكرة الفلاش، سنحت لبليفينز فرصة الرد. فقد توجه كوردانو وزميله جيري كاجيل إلى مكتبه حاملين شيكاً لاسترداد الرسوم، في محاولة لإنهاء الخلاف.
لكن بليفينز طالب بألا تطلب الشركة من “أبل” دفع رسوم حجز مسبقة مرة أخرى، ووافق المسؤولان على ذلك خلال اتفاق شفهي أُبرم بالمصافحة، بحسب أشخاص مطلعين على الاجتماع.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أخبرهما بليفينز، في إطار ما وصفه التقرير بأنه عقوبة للشركة، أن “ويسترن ديجيتال” إذا أرادت من “أبل” شراء شرائح الذاكرة الخاصة بها، فعليها أن تدفع لشركة أبل مقابل اختبار تلك الشرائح، مع التأكيد أن “أبل” لن تكون ملزمة بشراء أي منها حتى بعد الاختبار.
وبعد انتهاء الاجتماع، طلب بليفينز من أمن “أبل” مرافقة المسؤولين إلى خارج مقر الشركة.
أرباح بمليارات الدولارات من ترقيات التخزين
المفارقة الأبرز في هذه القصة أن أسعار ذاكرة الفلاش تراجعت على مدار العقد الماضي إلى ما يقرب من 5 سنتات لكل غيغابايت، بينما كانت “أبل” تفرض على عملائها مئات الدولارات مقابل ترقية سعة التخزين في هواتف آيفون.
وخلال فترة التباطؤ التي أعقبت جائحة كورونا، عندما تراجع سوق الإلكترونيات الاستهلاكية، حققت “أبل” أرباحاً تقدر بنحو 14 مليار دولار من ترقيات سعة تخزين ذاكرة الفلاش وحدها، في الوقت الذي تكبدت فيه صناعة ذاكرة الفلاش ككل خسائر بلغت نحو 19 مليار دولار خلال عام 2023.
وبالطبع، لا تقتصر المفاوضات التجارية الصارمة على “أبل” وحدها، إذ تستخدم شركات عديدة أساليب ضغط للحصول على شروط أفضل من مورديها. لكن حجم النفوذ الذي تمتلكه “أبل” داخل سلاسل التوريد ظل مختلفاً عن بقية المنافسين.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير في عام 2026، بعدما تراجع نفوذ “أبل” نسبياً أمام شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، التي أصبحت مستعدة لدفع أسعار أعلى بكثير مقابل الحصول على رقائق الذاكرة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وتدريب النماذج الذكية.
وفي المقابل، بات مصنعو الذاكرة أكثر استعداداً لتلبية طلبات هذه الشركات، مستفيدين من قدرتهم على بيع منتجاتهم بأسعار أعلى، وهو ما ينظر إليه بعض العاملين في القطاع باعتباره استعادة لجزء من التوازن بعد سنوات من الضغوط التي مارستها “أبل” على الموردين.
أزمة الإمدادات تهدد أسعار منتجات “أبل”
لا تبدو أزمة سلاسل التوريد مرشحة للانحسار خلال العام المقبل، ما يضع “أبل” أمام اختبار جديد بشأن قدرتها على التعامل مع ارتفاع تكاليف المكونات.
فقد امتصت الشركة الزيادات في أسعار الذاكرة والتخزين لفترة أطول مقارنة بمنافسيها، لكن هذا النهج وصل إلى حدوده خلال عام 2026، وبدأت أسعار منتجات “أبل” في الارتفاع بالفعل.
وإذا استمرت تكلفة المكونات في الصعود، فقد تواجه الشركة ضغوطاً إضافية على أسعار أجهزتها، ما قد يعني أن المستهلكين سيضطرون إلى دفع مبالغ أكبر عند شراء منتجات “أبل” خلال الفترة المقبلة.