أخبار

الانتخابات الأمريكية.. تحولات في أولويات الناخبين وموازين النفوذ

الانتخابات الأمريكية.. تحولات في أولويات الناخبين وموازين النفوذ

جو24- لا يمكن قراءة نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية باعتبارها مجرد انتقال في موازين القوى بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل باعتبارها مؤشراً على تحولات أعمق في أولويات الناخبين، وحدود تأثير المال والنفوذ، وطبيعة العلاقة بين السياسة الداخلية والخارجية. فقد حملت النتائج رسائل إلى الطبقة السياسية الأمريكية مفادها أن الناخب يريد تمثيلاً أقرب إلى احتياجاته اليومية، وسياسات أكثر استجابة لمصالحه.

الناخب يريد من يمثّل أولوياته

من أبرز دلالات النتائج ما شهدته ولايات مثل تكساس وكانساس من تحولات انتخابية لافتة. فقد فازت جينا هينوجوسا بمنصب حاكمة تكساس، منهية بذلك أكثر من ثلاثة عقود من غياب الديمقراطيين عن هذا الموقع، كما فاز جيمس تالاريكو بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ الأمريكي، ليصبح أول ديمقراطي يمثل تكساس في المجلس منذ عام 1988. وفي كانساس، حقق آدم هاميلتون فوزاً تاريخياً بمقعد مجلس الشيوخ، منهياً غياب الديمقراطيين عن هذا التمثيل منذ عام 1932.

ولا تعني هذه النتائج بالضرورة تحولاً أيديولوجياً شاملاً في تلك الولايات، لكنها تؤكد أن الانتماء الحزبي لم يعد وحده كافياً لضمان أصوات الناخبين، وأن أداء المرشحين وبرامجهم وقدرتهم على مخاطبة مشاغل الناس أصبحت عوامل أكثر تأثيراً.

ممداني نموذج لتغيير الأولويات

تبرز تجربة زهران ممداني بوصفها نموذجاً سياسياً يستحق التوقف عنده، لا باعتباره سبباً مباشراً للنتائج الوطنية، بل لما يمثله من خطاب يضع قضايا الناس العادية في المقدمة؛ من كلفة السكن والمواصلات إلى الرعاية الصحية والخدمات العامة، مع التأكيد على حق المواطنين في مساءلة المسؤولين عن توجيه المال العام.

وتكمن أهمية هذا النموذج أيضاً في اعتماده على التنظيم الشعبي والعمل الميداني والمتطوعين، وبناء علاقة مباشرة مع الناخبين. والرسالة أن الشعارات الكبرى والإنفاق الانتخابي لا يكفيان؛ فالسياسي مطالب بأن يوضح كيف ستتحسن حياة الناس وكيف ستُستخدم الموارد لخدمة المجتمع.

كلفة السياسة الخارجية في صناديق الاقتراع

أظهرت الانتخابات أن السياسة الخارجية الأمريكية لم تعد منفصلة عن الحسابات الداخلية. فالحرب على إيران، وما ارتبط بها من مخاوف بشأن أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة والإنفاق العسكري، أصبحت جزءاً من النقاش حول أولويات الإدارة الأمريكية.

وقد أقر الرئيس ترمب بأن الحرب كانت من العوامل التي أسهمت في خسائر حزبه، مشيراً إلى انعكاساتها الاقتصادية، فيما ربط نائب الرئيس جاي دي فانس الخسائر الانتخابية برغبة الناخبين في التركيز على تكاليف المعيشة وإنهاء الحروب وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل.

ولا يجوز اختزال النتائج في عامل الحرب وحده، فهناك قضايا أخرى تتعلق بالتضخم والهجرة والخدمات وأداء المرشحين. لكن الناخب بات أكثر استعداداً لمساءلة قياداته عن كلفة الانخراط الخارجي وعلاقته بالاحتياجات الداخلية. وهنا يبرز حق دافع الضرائب الأمريكي في التساؤل عن جدوى إنفاق مليارات الدولارات لدعم دولة أجنبية، بينما يواجه المواطن صعوبات في تأمين السكن والعلاج والتعليم، ويرى ما يجري في غزة من قتل للنساء والأطفال ودمار واسع. فالعلاقات والتحالفات الخارجية، مثل السياسات الداخلية، يجب أن تخضع للمساءلة والمصلحة العامة.

المال السياسي في مواجهة قوة التنظيم الشعبي

أظهرت النتائج أن التنظيم الشعبي والعمل الميداني والتمويل الصغير والثقة بالمرشح يمكن أن تشكل قوة منافسة للمال والنفوذ. وقد برز ذلك في الانتخابات التمهيدية بمدينة نيويورك، حيث دعم ممداني مرشحين تقدميين تمكنوا من التغلب على شخصيات مرتبطة بالمؤسسة الحزبية التقليدية والتمويل الضخم. ولا يعني ذلك أن المال فقد تأثيره، بل إن المال وحده لم يعد كافياً، وأن الناخب قد يختار من يثق بقدرته على تمثيل مصالحه.

تحول داخل الحزب الديمقراطي… وتراجع الحصانة السياسية لإسرائيل

من أهم التحولات ما يجري داخل الحزب الديمقراطي نفسه، حيث يتزايد التباين بين التيار التقليدي المؤيد للعلاقة التاريخية مع إسرائيل، والتيار التقدمي الذي يطالب بمراجعتها ووقف الدعم العسكري غير المشروط.

ولم تعد انتقادات السياسات الإسرائيلية، خصوصاً بعد الحرب على غزة، مقتصرة على الناشطين والجاليات العربية والمسلمة، بل أصبحت حاضرة في برامج المرشحين ومواقف أعضاء الكونغرس. وتجلى ذلك في فوز مرشحين تقدميين على شخصيات تقليدية، وفي تصويت أكثر من مئة نائب ديمقراطي لصالح تعديل يستهدف تقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل، رغم عدم إقراره.

ولا يعني ذلك توحد الحزب في موقفه أو اختفاء التيار المؤيد لإسرائيل، لكنه يكشف عن تراجع الحصانة السياسية التي تمتع بها الدعم غير المشروط، وانتقال العلاقة الأمريكية الإسرائيلية من مسألة شبه محسومة إلى قضية خلافية مؤثرة في المنافسة الانتخابية والنقاش داخل الحزب. وهذا تحول يشمل حدود التحالفات الخارجية وحق الناخب في مساءلة ممثليه عن أمواله.

اتساع التمثيل العربي والمسلم

ومن المؤشرات ذات الدلالة أيضاً اتساع حضور الأمريكيين من أصول عربية ومسلمة في المؤسسات المنتخبة. فقد أعيد انتخاب إلهان عمر لولاية خامسة في مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا، وفاز عبدالرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم ينتخب لعضوية المجلس. كما فازت عبير قواس بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك، لتصبح أول امرأة فلسطينية مسلمة تصل إلى هذا الموقع.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على بعدها الرمزي، بل تؤكد أن هذه المكونات أصبحت جزءاً فاعلاً من الحياة السياسية الأمريكية، وقادرة على التأثير في النقاش العام وأولويات المرشحين والبرامج الانتخابية.

الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الانتخابات

ومع ذلك، فإن الفوز الانتخابي لا يمثل نهاية الطريق. فالاختبار الحقيقي أمام الديمقراطيين هو قدرتهم على ترجمة الوعود إلى سياسات ملموسة تخفف أعباء المعيشة، وتحسن الخدمات العامة، وتعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات. كما أن اتساع نفوذ التيار التقدمي يضع الحزب أمام تحدي التوفيق بين مواقفه التقليدية وتطلعات قواعده الجديدة، بما في ذلك مراجعة سياساته الخارجية.

وفي المحصلة، تكشف الانتخابات عن حقيقة تتجاوز الولايات المتحدة: حين يشعر المواطن بأن ممثليه ابتعدوا عن أولوياته، وأن المال والنفوذ أصبحا أقوى من صوته، فإنه يبحث عن بدائل ويعيد رسم خريطة التمثيل السياسي. فالناخب يريد سياسة تعالج مشكلاته المشتركة، وتحترم حقوقه وكرامته، داخل بلاده وخارجها. فالسياسة تُقاس بقدرتها على خدمة الإنسان ومصالحه، لا بمجرد امتلاك السلطة وأدوات النفوذ.

إغلاق