أخبار
الاغتيالات ومأزق الحرب… هل تصنع واشنطن فزّاعة إيرانية للهروب من مستنقعها؟

جو24- من اغتيال قاسم سليماني إلى إسماعيل هنية وحسن نصر الله، تتكرر المفارقة: تسقط القيادات وتستمر الصراعات. فهل تعيد واشنطن توظيف شبح الاغتيالات الإيرانية لتغطية عجز القوة العسكرية عن إنتاج نصر سياسي؟
عندما تحذر الولايات المتحدة من احتمال استهداف إيران وحلفائها للمصالح الأمريكية حول العالم، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى جدية التهديد، وإنما بما هو أخطر: هل تغيرت طبيعة الحرب الإيرانية لتصبح الاغتيالات والتصفيات أداتها الرئيسية، أم أن واشنطن تحاول إعادة صياغة صورة العدو لتبرير مأزق عسكري وسياسي لم تجد له مخرجاً؟
فالتحذير الأمريكي الصادر في الثاني والعشرين من تموز 2026 تحدث عن تهديدات محتملة للمصالح والمؤسسات الأمريكية عالمياً، لكنه لم يقدم في نصه العلني دليلاً على انتقال إيران إلى استراتيجية اغتيالات شاملة.
وهنا تبدأ المفارقة: لماذا يصبح الحديث عن العمليات السرية والتهديدات العابرة للحدود أكثر حضوراً كلما تعقدت احتمالات الحسم العسكري؟
سليماني… اغتيال القائد لم يُنهِ المواجهة
في الثالث من كانون الثاني 2020، اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد، في عملية اعتبرتها واشنطن ضربة استراتيجية كبرى.
لكن ماذا حدث بعدها؟
لم تنتهِ المواجهة مع إيران، ولم تختفِ شبكات نفوذها الإقليمية. بل ردت طهران بضربات صاروخية على قاعدة عين الأسد في العراق، ودخل الطرفان مرحلة جديدة من التوتر والردع المتبادل.
لقد نجحت واشنطن في اغتيال قائد بالغ الأهمية، لكنها لم تنجح بذلك في إنهاء الصراع الذي كان يمثل أحد أبرز وجوهه.
وهذا المثال يكشف الفرق بين النجاح التكتيكي والانتصار الاستراتيجي: تستطيع القوة العسكرية إزالة شخصية محورية، لكنها لا تستطيع بالضرورة إزالة المشروع السياسي الذي تنتمي إليه.
هنية ونصر الله… هل تحسم الاغتيالات الحروب؟
في تموز 2024، اغتيل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران، بينما كانت المفاوضات بشأن وقف الحرب في غزة مستمرة.
لم يكن الاغتيال مجرد استهداف لشخصية سياسية، بل ضربة طالت أحد أطراف التفاوض، وأثارت تساؤلات جدية بشأن مستقبل الوساطة وإمكانية الوصول إلى تسوية.
وبعد ذلك بشهرين، اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، بعد سلسلة من العمليات التي استهدفت قيادات الحزب وبنيته العسكرية.
كانت الضربة شديدة التأثير على القيادة والقدرات التنظيمية، لكن اغتيال نصر الله لم يكن بحد ذاته اتفاقاً لإنهاء الحرب، كما لم يكن اغتيال هنية بديلاً عن التسوية السياسية في غزة.
وهنا تتجسد المشكلة: الاغتيالات تستطيع تغيير موازين القوة، لكنها لا تقدم وحدها إجابة عن اليوم التالي للحرب.
من العقيدة الإسرائيلية إلى الاتهام الأمريكي
اعتمدت إسرائيل منذ عقود سياسة الاغتيالات واستهداف القيادات، من الشخصيات الفلسطينية إلى العلماء والقادة العسكريين الإيرانيين، باعتبارها أداة أساسية في منظومتها الأمنية.
أما إيران، فبرزت في عقيدتها العسكرية المعلنة أدوات مختلفة، أهمها الصواريخ والمسيّرات والردع غير المتماثل والاستنزاف طويل الأمد.
صحيح أن أجهزة إيرانية واجهت اتهامات وتحقيقات غربية بشأن التخطيط لاغتيالات وعمليات سرية خارج الحدود، ولا يصح تجاهل هذه الوقائع. لكن وجود تلك الاتهامات لا يثبت أن إيران قررت استبدال عقيدتها العسكرية بحملة اغتيالات عالمية.
وهنا يصبح السؤال سياسياً بامتياز: هل يجري تضخيم احتمال الاغتيالات لتحويل الأنظار عن مأزق الحرب الأمريكية؟
واشنطن… عندما تصبح صناعة الخوف أسهل من إعلان النصر
تمتلك الولايات المتحدة القدرة على ضرب المنشآت العسكرية وتعطيل القدرات الإيرانية، لكنها تواجه معضلة أكثر تعقيداً: كيف تحول التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية؟
فإذا واصلت التصعيد، ارتفعت احتمالات الاستنزاف واتساع المواجهة. وإذا اتجهت نحو التسوية دون تحقيق أهدافها المعلنة، واجهت أسئلة محرجة عن جدوى الحرب وتكاليفها.
في هذه اللحظة يصبح التهديد الأمني العالمي، سواء كان حقيقياً أو مبالغاً فيه، قابلاً للتوظيف السياسي.
فبدلاً من سؤال الإدارة الأمريكية: ماذا حققتم من الحرب؟ يصبح السؤال: أين يمكن أن تضرب إيران غداً؟
وبدلاً من مناقشة شروط الخروج من المواجهة، ينشغل الرأي العام باحتمالات الاغتيالات والهجمات على المصالح الأمريكية.
ولا يعني ذلك أن واشنطن اختلقت التهديدات؛ فهذا اتهام يحتاج إلى أدلة. لكنه يعني أن التحذير الأمني قد يتحول، في الخطاب السياسي، إلى وسيلة لإدارة تداعيات الحرب وإبعاد الأنظار عن نتائجها.
المستنقع الذي لا تحسمه الاغتيالات
المشكلة الأمريكية ليست في نقص أدوات القوة، بل في حدود ما تستطيع هذه القوة تحقيقه.
فاغتيال سليماني لم يُنهِ النفوذ الإيراني، واغتيال هنية لم يُنهِ القضية الفلسطينية، واغتيال نصر الله لم يجعل التسوية السياسية في لبنان أمراً تلقائياً.
تلك أمثلة مختلفة في ظروفها ونتائجها، لكنها تشترك في درس استراتيجي: تصفية القيادة ليست مرادفاً لتصفية الصراع.
والسؤال الذي ينبغي أن تواجهه واشنطن ليس ما إذا كانت إيران قادرة على تنفيذ اغتيالات خارج حدودها، بل ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إنهاء المواجهة دون أن تتحول إلى حرب استنزاف مفتوحة.
فحين يصبح التحذير من الخطر المقبل أكثر حضوراً من الحديث عن النتائج المحققة، تظهر علامات أزمة في تعريف النصر نفسه.
ولعل أخطر ما في المأزق الأمريكي أن واشنطن تستطيع اغتيال القادة، وتدمير المنشآت، وتوسيع نطاق الضربات، لكنها لا تستطيع بالضرورة فرض النهاية التي تريدها للحرب. وعندما تصبح فزّاعة الاغتيالات عنواناً للمواجهة، بينما يغيب تصور واضح للخروج منها، فإن المشكلة لا تكمن في قوة إيران وحدها، بل في استراتيجية أمريكية قد تعرف كيف تبدأ الحرب، لكنها لم تجد بعد كيف تنهيها.