أخبار

مدرسة ناجحة أم مدير مستنزف؟ السؤال الذي يجب أن نطرحه

مدرسة ناجحة أم مدير مستنزف؟ السؤال الذي يجب أن نطرحه

جو24- يوم المدير العالمي 16 تشرين الأول

مدرسة ناجحة أم مدير مستنزف؟ السؤال الذي يجب أن نطرحه

قد تبدو المدرسة ناجحة عندما تنتظم الحصص، وتُنجز الأنشطة، وتتحسن بعض النتائج، وتكتمل التقارير، لكن هناك سؤالًا لا يقل أهمية عن هذه المؤشرات: هل تحقق المدرسة نجاحها من خلال نظام مؤسسي مستقر، أم تعتمد بصورة مفرطة على جهد مديرها الفردي؟

الفرق بين الحالتين كبير، فالمدرسة التي تعمل بكفاءة لأن المدير يتدخل في كل تفصيل قد تحقق نتائج جيدة في فترة معينة، لكنها تظل معرضة للتراجع حين تتراكم المهام أو تتغير الظروف، أما المدرسة التي تبني فريقًا واضح الأدوار، وإجراءات مستقرة، وثقافة مهنية تشجع المبادرة، فتكون أقدر على المحافظة على أدائها وتطويره،

لا ينتقص هذا السؤال من قيمة التفاني، فمدير المدرسة مطالب بالعمل الجاد، وتحمل المسؤولية، والتدخل حين تتطلب المصلحة التربوية ذلك، لكن القيادة لا تعني أن يصبح المدير بديلًا عن الجميع، أو أن تمر كل خطوة صغيرة من خلاله، بل تعني أن يبني منظومة تستطيع العمل بفاعلية، وأن يعرف متى يتدخل ومتى يفوض، وكيف يطور قدرات الفريق.

ومن هنا، ينبغي أن يتجاوز تقييم المدرسة عدد الأنشطة والتقارير المنجزة، فهذه مؤشرات قد تكون مفيدة، لكنها لا تكشف وحدها عن جودة التعلم، أو شعور الطلبة بالأمان والانتماء، أو فرص التطور المهني للمعلمين، أو فاعلية التواصل مع الأسر، إن تقييم المدرسة يحتاج إلى مؤشرات متوازنة تربط الالتزام الإداري بالأثر التربوي.

ولتحقيق ذلك، يحتاج المدير إلى وقت للتخطيط، وفرص لتطوير فريقه، وصلاحيات واضحة لتوزيع المهام، ودعم من الإدارة التعليمية، فإذا انشغل طوال يومه بمعالجة التفاصيل العاجلة، فلن يجد مساحة كافية لتحليل البيانات، أو مراجعة الممارسات، أو بناء خطط تحسين قابلة للقياس.

كما ينبغي أن تكون المسؤولية موزعة بصورة عادلة داخل المدرسة، فالمعلمون والفرق المدرسية يستطيعون المشاركة في تطوير البرامج، ومتابعة احتياجات الطلبة، وتحسين التواصل، شريطة وضوح الأدوار وتوافر التدريب والمتابعة، والتفويض لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل تنظيمها بحيث لا تتحول إلى عبء فردي.

وعلى الجهات المشرفة أن تنظر إلى استدامة الأداء بوصفها جزءًا من جودة القيادة، فالمدرسة التي تحقق أهدافها من خلال فريق قادر على مواصلة العمل أكثر استقرارًا من مدرسة تعتمد على تدخل المدير في كل لحظة. ولذلك، ينبغي أن يشمل التقييم جودة توزيع المسؤوليات، ووضوح الإجراءات، وقدرة المدرسة على التعلم من أخطائها، لا النتائج النهائية وحدها.

وفي المقابل، على المدير أن يقاوم إغراء السيطرة على كل التفاصيل، فقد يكون إنجاز المهمة بنفسه أسرع في لحظة معينة، لكنه لا يبني بالضرورة قدرة الفريق، أما التدريب والتفويض والمتابعة، فقد تحتاج إلى وقت في البداية، لكنها ترفع قدرة المؤسسة على التعامل مع التحديات مستقبلًا.

إن النجاح الحقيقي لا يعني أن يعمل المدير أكثر من الجميع في كل يوم، بل أن يخلق بيئة يستطيع فيها الجميع أداء أدوارهم بكفاءة، ولا يعني أن يتراجع دوره، بل أن ينتقل من إدارة كل جزئية إلى قيادة منظومة متكاملة.

في يوم المدير، يستحق الإنجاز التقدير، لكن ينبغي أن نسأل أيضًا عن الثمن الذي دُفع لتحقيقه، وعن مدى قدرة المدرسة على الاستمرار، فالمؤسسة التي تعتمد على جهد فردي غير محدود تحتاج إلى مراجعة طريقة عملها، لا إلى الاكتفاء بمدح ذلك الفرد،

فالمدرسة التي تنجح لأنها تستنزف قائدها لم تبلغ بعد غاية النجاح المستدام، أما المدرسة التي تبني فريقًا قويًا ونظامًا عادلًا وثقافة تعلم مستمر، فهي التي تحول القيادة من جهد فردي إلى قدرة مؤسسية تحمي التعليم وتضمن استمراره.

إغلاق