أخبار

من احتجاجات فلسطين إلى الكونغرس.. مسلمة تهزم الجمهوريين في نيويورك

جو24- حققت الناشطة المسلمة دارياليزا أفيلا شيفالييه فوزا بمقعد في مجلس النواب الأمريكي عن الدائرة الـ١٣ في نيويورك، في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، متوجة صعودا سياسيا لافتا بدأ من الاحتجاجات الطلابية والحركات الحقوقية، وصولا إلى إسقاط أحد أبرز رموز الحزب الديمقراطي في المدينة.

وتفوقت شيفالييه على المرشح الجمهوري جغومو ويليامز، بعد أشهر من تحقيقها مفاجأة انتخابية بإطاحتها بالنائب الديمقراطي المخضرم أدريانو إسبايات، رئيس الكتلة النيابية للأعضاء من أصول لاتينية، في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي.

ولا تكمن أهمية صعود شيفالييه في هويتها الدينية وحدها، بل في اجتماع ٣ مسارات سياسية في تجربتها إذ تمثل حركة العدالة الاجتماعية التي نشأت في صفوفها، والاشتراكية الديمقراطية التي تتبناها، والحراك المؤيد لفلسطين الذي شاركت فيه منذ سنوات دراستها بجامعة كولومبيا.

وهي مسارات تقاطعت في حملة انتخابية حظيت بدعم عمدة نيويورك زهران ممداني، ونجحت في هزيمة أحد أبرز ممثلي المؤسسة التقليدية للحزب الديمقراطي في المدينة.

وُلدت شيفالييه عام 1993 في ولاية فلوريدا لأبوين مهاجرين من جمهورية الدومينيكان؛ وعاشت طفولة متنقلة بين الولايات المتحدة والدومينيكان وفنزويلا، في أسرة كانت تعاني ضائقة مالية، تولت فيها والدتها، التي عملت في الخدمات الاجتماعية، الجزء الأكبر من مسؤولية تربيتها، بينما كان والدها يعمل سائقا للشاحنات.

وفي مقابلة أجرتها معها مجلة فانيتي فير، استحضرت شيفالييه موقفا من طفولتها حين طلبت منها والدتها البحث عن عملات معدنية داخل السيارة لتوفير ثمن الوقود اللازم للذهاب إلى المدرسة. وتقول إن موظفا بمحطة الوقود لاحظ عجزهما عن الدفع، فمنحهما وقودا بقيمة ٥ دولارات مقابل دولار واحد جمعته الطفلة. وتقدم شيفالييه هذه الذكرى باعتبارها إحدى اللحظات التي بدأت فيها إدراك الفوارق الطبقية.

وفي عام 2012، انتقلت إلى نيويورك للدراسة في جامعة كولومبيا، حيث حصلت على البكالوريوس في دراسات الشرق الأوسط، وانخرطت في تنظيمات طلابية مناهضة للعنف الجنسي والعنصرية وسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين.

ولاحقا، عملت مع منظمة “عائلات من أجل الحرية” التي تدافع عن المهاجرين المهددين بالترحيل، وساهمت في جهود قانونية لإطلاق سراح محتجزين لدى سلطات الهجرة الأمريكية، قبل أن تعمل باحثة ومحققة لصالح مكتب للدفاع القانوني عن المتهمين في حي هارلم.

ومنذ عام 2019، تدرس للحصول على الدكتوراه في علم الاجتماع بجامعة مدينة نيويورك، حيث تبحث في العلاقة بين نظام العدالة الجنائية وترحيل المهاجرين السود من أصول لاتينية، كما عملت بالتدريس الجامعي، وانضمت إلى نقابة عمال السيارات المتحدة.

لم تنشأ شيفالييه في أسرة مسلمة، بل تنتمي عائلتها في معظمها إلى المسيحية الكاثوليكية، وإن كانت تؤكد أنها لم تتلق تربية دينية صارمة. لكن تجربتها مع الحركات الحقوقية، وصداقاتها مع ناشطين مسلمين، فتحت أمامها طريقا مختلفا نحو الدين.

وفي مقابلة مطولة مع موقع سيتي آند ستيت نيويورك، روت أنها قررت في رمضان عام 2019 أو 2020، تجربة الصيام بدافع الفضول، ثم كررت التجربة في العام التالي، واستمرت في صيام رمضان لعدة سنوات دون أن تكون قد أعلنت إسلامها.

وتتذكر أنه خلال عامها الرابع من الصيام، سألتها إحدى صديقاتها المسلمات عن سبب استمرارها في أداء هذه الشعيرة دون اتخاذ قرار باعتناق الإسلام. وكان السؤال، بحسب روايتها، دافعا لها إلى الاعتراف لنفسها بأنها تريد بالفعل أن تكون مسلمة.

وبعد أيام، حضرت حلقة لدراسة القرآن، تحدث خلالها الإمام عن صفتي الرحمة والمغفرة الإلهيتين، وعن إمكانية العودة إلى الله عند الشعور بالشك. وتقول شيفالييه إنها بكت عند سماع تلك الكلمات، لأنها شعرت بأنها وجدت الطمأنينة التي كانت تبحث عنها.

وترتبط رحلتها الدينية أيضا بتجربتها في الأراضي الفلسطينية. ففي صيف عام 2014، عندما كانت طالبة في العشرين من عمرها، أمضت نحو شهرين في مدينة نابلس بالضفة الغربية، حيث عملت في تعليم اللغة الإنجليزية للأطفال الفلسطينيين.

وتقول إنها عادت من تلك الرحلة وقد تغيرت نظرتها إلى السلطة والعنف والعدالة، بعدما شاهدت القيود المفروضة على الحياة اليومية للفلسطينيين، ثم اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة بعد عودتها بفترة وجيزة. وقد دفعتها هذه التجربة إلى الانخراط في حركة “طلاب من أجل العدالة في فلسطين” بجامعة كولومبيا، والمشاركة في جهود الضغط على الجامعة لسحب استثماراتها من الشركات المرتبطة بإسرائيل.

وهكذا، تقدم شيفالييه قصة اعتناقها الإسلام بوصفها تجربة روحية وشخصية تداخلت مع نشاطها الاجتماعي، لا مجرد انتقال ديني منفصل عن مسارها الفكري والسياسي.

ماذا تعني الاشتراكية بالنسبة إليها؟

تعرّف شيفالييه نفسها بأنها اشتراكية ديمقراطية، وهي عضو في فرع نيويورك لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا التي دعمت وصول زهران ممداني إلى منصب عمدة نيويورك، كما تضم في صفوفها شخصيات سياسية بارزة، من بينها النائبتان ألكساندريا أوكاسيو كورتيز ورشيدة طليب.

وفي مقابل الاستخدام الجمهوري لكلمة “الاشتراكية” باعتبارها مرادفا للشيوعية أو سيطرة الدولة الشاملة على الاقتصاد، تطرح شيفالييه مفهوما يركز على إعادة توزيع الثروة، وتوسيع الخدمات العامة، وتعزيز دور العمال في تحديد السياسات الاقتصادية.

وفي مقابلتها الأخيرة مع فانيتي فير، أوضحت أن منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين ليست حزبا سياسيا مستقلا، وإنما تنظيم قائم على العضوية والعمل المجتمعي، وأنها نفسها عضو في الحزب الديمقراطي وتترشح باسمه، مع وجود اختلافات فكرية داخل المنظمة الاشتراكية.

كما أكدت أنها لا تتفق مع كل ما تتبناه المنظمة على المستوى الوطني، ومن ذلك بعض المقترحات الرامية إلى إلغاء منصب الرئاسة الأمريكية.

وتضع شيفالييه في مقدمة برنامجها توفير الرعاية الصحية الشاملة، وزيادة الاستثمار في الإسكان العام، ومواجهة فقر الأطفال، والحد من نفوذ الشركات الكبرى والممولين السياسيين.

وفي مقابلة مع صحيفة إلباييس الإسبانية، قدمت الضمان الاجتماعي وبرنامج التأمين الصحي الحكومي “ميديكير” مثالين على ما تعتبره سياسات اجتماعية أثبتت شعبيتها في الولايات المتحدة.

وتذهب في قضايا أخرى إلى مواقف أكثر جذرية، مثل المطالبة بإلغاء وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE)، والدعوة على المدى البعيد إلى استبدال نظام السجون بنظام يعطي الأولوية لمنع الجريمة ومعالجة أسبابها الاجتماعية. وتقر بأن تحقيق مثل هذه الأهداف يتطلب تحولات سياسية واجتماعية طويلة الأمد.

من الاحتجاج من أجل غزة إلى الفوز بالكونغرس

برز اسم شيفالييه بصورة أوسع خلال الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين التي شهدتها جامعة كولومبيا في ربيع عام 2024. فقد شاركت في تنظيم الاعتصام بوصفها خريجة للجامعة، وكانت من الناشطين الذين تعرضوا للاعتقال خلال المواجهات المرتبطة بالاحتجاجات.

كما ارتبط اسمها بالناشط الفلسطيني محمود خليل، أحد أبرز وجوه الحراك الطلابي، الذي احتجزته سلطات الهجرة الأمريكية في مارس/آذار 2025. وشاركت شيفالييه في الحملات المطالبة بالإفراج عنه، وانتقدت تعامل إدارة ترامب مع الطلاب والناشطين المؤيدين لفلسطين.

وتحول هذا النشاط إلى أحد المحاور الرئيسية في حملتها الانتخابية، التي انتقدت خلالها استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، داعية إلى توجيه الموارد الفيدرالية نحو المدارس والإسكان والرعاية الصحية، تحت شعار يربط بين الإنفاق على الأطفال والإنفاق على الحروب.

وفي مقابلتها مع فانيتي فير، دافعت عن مشاركتها في مظاهرة مؤيدة لفلسطين يوم الثامن من أكتوبر/تشرين الأول غداة هجوم حركة حماس على إسرائيل، وهو موقف أثار انتقادات واسعة. وقالت إن احتجاجها كان موجها إلى السياسة الأمريكية في دعم إسرائيل وتسليحها، وإنها كانت تخشى وقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين الفلسطينيين.

كيف أطاحت بأحد أقوى نواب نيويورك؟

دخلت شيفالييه معركة الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في مواجهة أدريانو إسبايات، البالغ من العمر 71 عاما، الذي مثّل الدائرة نحو عشر سنوات، وترأس الكتلة النيابية للأعضاء من أصول لاتينية في مجلس النواب.

وكان إسبايات يتمتع بشبكة واسعة من العلاقات السياسية والنقابية، فضلا عن دعم الممولين التقليديين للحزب الديمقراطي. لكن منافسته الشابة ركزت على تدهور القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وانتقدت علاقاته بقطاع العقارات وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

وبحسب تحقيق لموقع سيتي آند ستيت، تلقى إسبايات دعما من مانحين مرتبطين بلجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك)، بينما استفاد من إنفاق لجان سياسية مستقلة بملايين الدولارات. وفي المقابل، استفادت شيفالييه نفسها من إنفاق مستقل لصالحها، ولاسيما من منظمة “ديمقراطيو العدالة” التي ساهمت سابقا في صعود أوكاسيو كورتيز.

وشهدت حملتها تحولا مهما مع إعلان ممداني تأييدها، بعدما كانت تربطه علاقة سياسية بإسبايات. واستفادت من شبكة المتطوعين التي تشكلت خلال الحملة الانتخابية لعمدة نيويورك، وقالت إن حملتها وائتلاف المنظمات الداعمة لها طرقوا أكثر من 155 ألف باب للتواصل المباشر مع الناخبين.

بين الجدل السياسي والهجمات العنصرية

لم تخل حملة شيفالييه من الجدل؛ فقد أعاد خصومها نشر تدوينات قديمة استخدمت فيها عبارات نابية ضد شخصيات ديمقراطية، بينها كامالا هاريس وجو بايدن، إلى جانب تصريحات دعت فيها إلى إلغاء السجون والشرطة والحدود.

واعتذرت شيفالييه عن إحدى تدويناتها المسيئة لهاريس، مؤكدة أن لغتها السياسية تغيرت بمرور السنوات، لكنها لم تتراجع عن دفاعها عن حقوق المهاجرين والفلسطينيين أو عن تبني الاشتراكية الديمقراطية.

وفي المقابل، واجهت هجمات طالت هويتها العرقية والدينية. فقد اتهم أحد المستشارين السابقين لإسبايات شيفالييه وممداني بالسعي إلى تغيير التركيبة السكانية لحي واشنطن هايتس، واستبدال السكان الدومينيكانيين بمهاجرين من هايتي ومسلمين. وأدان إسبايات تلك التصريحات، فيما اعتبرتها شيفالييه حملة عنصرية ومعادية للإسلام.

وبذلك، لا تمثل شيفالييه مجرد إضافة جديدة إلى عدد المسلمين في الكونغرس الأمريكي، بل نموذجا لمسار سياسي يجمع بين الإسلام بوصفه انتماء دينيا، والاشتراكية الديمقراطية بوصفها توجها اقتصاديا، والتضامن مع فلسطين بوصفه قضية مركزية في نشاطها العام.

المصدر: الجزيرة

إغلاق