أخبار
حين نحكم على السمكة بقدرتها على تسلّق الشجرة

جو24- تُنسب إلى أينشتاين مقولة مفادها: «إن كل البشر أذكياء، ولكن إذا حكمت على سمكة من خلال قدرتها على تسلّق الشجرة، فستقضي حياتها معتقدة أنها غبية».
قد يتساءل القارئ: ما علاقة هذه العبارة بالتعليم؟
العلاقة تكمن في الأطفال الذين يفكرون بطريقة مختلفة، أو ما يُعرف بالتفكير «خارج الصندوق». فهؤلاء الأطفال قد يعانون في التعليم التقليدي الذي يفترض أن على الطفل أن يفكر بطريقة نمطية، وأن يلتزم بقوانين صفية محددة، وكأن الطفل ليس شخصية مستقلة لها طريقتها الخاصة في فهم المعلومة وتلقيها.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي وتعدد مصادر المعرفة، لم تعد المدرسة المصدر الوحيد للتعلم. ومع ذلك، ما زالت بعض أساليب التعليم بعيدة عن التطور السريع الذي يشهده العالم في مجال التكنولوجيا ومصادر التعلم الحديثة.
ومن واقع عملي كأخصائية تربية خاصة، التقيت أطفالًا تعرضوا لأحكام متسرعة بسبب اختلاف سلوكهم أو طريقة تعلمهم. فقد يُقال عن طفل إنه مصاب بالتوحد، أو لديه فرط حركة، أو يحتاج إلى معلمة ظل، لمجرد أنه لا يتصرف بالطريقة التي تتوقعها المدرسة.
أذكر هنا حالتين فقط.
الحالة الأولى: اشتكت أم طفل يبلغ الرابعة من عمره من أن المعلمة ترى أنه كثير الحركة، ولا يلتزم بالقوانين الصفية، ويخرج إلى دورة المياه كثيرًا. مع أن طفل الرابعة من الطبيعي أن يكون نشيطًا وميالًا إلى الحركة والاستكشاف، فإن هذا الطفل كان يتميز أيضًا بحب الاستكشاف وميل واضح إلى اللغة الإنجليزية، التي وجدها أسهل من العربية، مما أثر في مخارج النطق لديه باللغة العربية.
لكن صعوبة النطق أو اختلاف طريقة التعلم لا يعنيان أن الطفل «حالة خاصة». ولولا وعي والديه، لربما أصبح هذا الطفل عرضة لوصم غير مبرر أو أُلحق ببرنامج لا يحتاج إليه. واليوم يتلقى تعليمه في مدرسة تراعي طريقة تعلمه، كما عولجت مشكلة النطق لديه من خلال تدريبات متخصصة.
أما الحالة الثانية: فكان طفلًا قام بضرب بعض الأطفال عند التحاقه بالروضة، فكان الحكم سريعًا بأنه يحتاج إلى أخصائية تعديل سلوك. لكن أخصائية متخصصة أوضحت للمدرسة أن الحكم على سلوك الطفل لا ينبغي أن يبنى على واقعة واحدة، بل يجب أولًا معرفة سبب السلوك والظروف التي حدث فيها، وملاحظة تكراره وسياقه.
وهنا تكمن المشكلة: هل نحن نفهم الطفل أولًا، أم نحكم عليه أولًا؟
هناك حالات كثيرة لأطفال وُصموا بأنهم «حالات خاصة»، ولولا وعي أهلهم لربما انعكس ذلك على مسارهم التعليمي والنفسي.
وهنا يحق لنا أن نسأل: أين دور علماء النفس، ولا سيما علماء نفس النمو؟ وأين علماء الاجتماع والتربية؟ وهل من المنطقي أن يتحول اختلاف سلوك الطفل إلى تشخيص أو وصمة لمجرد أن البيئة الصفية لم تستطع استيعابه؟
كما يبرز سؤال آخر: أين البرامج المقننة على البيئة الأردنية، مثل برامج بورتج وهيليب؟ ولماذا لا نعمل على تطويرها بما يتناسب مع عصر التقنية؟ وأين البرامج التربوية المبتكرة التي تنطلق من واقع أطفالنا واحتياجاتهم؟
لماذا نستقي دائمًا أدواتنا وبرامجنا من الغرب، في حين نمتلك كفاءات قادرة على تطوير برامج تراعي ثقافتنا وبيئتنا واحتياجات أطفالنا؟
لدينا أطفال متميزون يحتاجون إلى برامج تتعامل مع تميزهم، مثل برامج الإثراء والتسريع، ولدينا حاجة إلى أدوات تقييم تراعي البيئة التي يعيش فيها الطفل، لا أن يكون الاختلاف الثقافي واللغوي سببًا في فهم غير دقيق لقدراته.
فالطفل ليس رقمًا في اختبار، وليس سلوكًا عابرًا في دفتر ملاحظات، وليس نسخة ينبغي أن تتطابق مع بقية الأطفال.
قد تكون مشكلتنا أحيانًا أننا لا نعرف كيف نقيس قدرات الطفل، فنحكم على قدراته من خلال ما نعرف نحن كيف نقيسه.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى أن نعلّم كل الأطفال كيف يتسلّقون الشجرة، بقدر ما نحتاج إلى أن نكتشف: من منهم يستطيع تسلّقها، ومن يستطيع السباحة، ومن يستطيع الطيران، ومن يمتلك موهبة لم نكتشفها بعد.
فالمشكلة ليست دائمًا في الطفل الذي لا يستطيع أن يتعلم بالطريقة التي نعلّمه بها، بل ربما تكون المشكلة في أننا لم نتعلم بعد كيف نعلّمه بالطريقة التي يستطيع هو أن يتعلم بها.