أخبار

حين يتحول المال من مفتاح تسوية إلى قفل على باب الحرب

الأموال الإيرانية المجمدة: حين يتحول المال من مفتاح تسوية إلى قفل على باب الحرب

جو24- لم تعد الأموال الإيرانية المجمدة مجرد ملف مالي عالق بين طهران وواشنطن، ولا أرصدة تنتظر الإفراج عنها في نهاية مفاوضات طويلة. ففي زمن الحرب، أصبح المال جزءًا من معادلة الصراع، وورقة ضغط تتجاوز قيمتها الاقتصادية إلى أبعاد سياسية وقانونية واستراتيجية، قد تحدد شروط وقف المواجهة وطبيعة التسوية التي ستعقبها.

وما يُتداول عن احتمال استخدام جزء من الأصول الإيرانية المجمدة لتعويض الدول المتضررة من الحرب واضطراب الملاحة والطاقة، وإن لم يثبت أنه تحول إلى قرار أميركي نهائي، يفتح بابًا بالغ الحساسية: هل تبقى هذه الأموال وسيلة تفاوض يمكن استخدامها لتقريب المواقف، أم تتحول إلى أداة عقابية تفرض بها واشنطن تصورها لمسؤولية إيران عن الحرب ونتائجها؟

في المقاربة الأميركية، تمثل الأموال المجمدة إحدى أهم وسائل الضغط على طهران. فواشنطن تربط تخفيف القيود المالية بالتوصل إلى تفاهمات تتعلق بوقف التصعيد، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي، والأنشطة العسكرية والإقليمية الإيرانية.

ومن هذا المنظور، لا تريد الإدارة الأميركية الإفراج عن أموال كبيرة من دون الحصول على التزامات مقابلة. لكن الفارق بين استخدام الأموال حافزًا للتفاوض وتحويلها إلى تعويضات مفروضة على إيران ليس تفصيلًا قانونيًا؛ إنه انتقال من إدارة العقوبات إلى محاولة تحديد نتائج الحرب ماليًا.

فالأموال التي يمكن أن تكون جزءًا من تسوية متبادلة قد تصبح، إذا تقررت مصادرتها أو إعادة توزيعها، دليلًا على أن القوة العسكرية امتدت إلى النظام المالي لفرض شروط المنتصر.

أما إيران، فإنها تنظر إلى القضية من زاوية مختلفة تمامًا. فهي لا تعتبر الولايات المتحدة جهة محايدة تحدد المسؤوليات وتوزع التعويضات، وإنما طرفًا مباشرًا في المواجهة، يمتلك القدرة على فرض العقوبات والتحكم في قنوات مالية دولية رئيسية.

ومن هنا، فإن أي محاولة أميركية لاستخدام الأموال الإيرانية لتعويض خصوم طهران ستُقرأ داخل إيران باعتبارها عقوبة سياسية، لا مجرد إجراء مالي.

فالمسألة لا تتعلق بسؤال مبسط عن الطرف الذي بدأ الحرب أو وسعها، وإنما بطبيعة النظام الذي يحدد المسؤولية ويملك سلطة تنفيذها. ومن وجهة النظر الإيرانية، لا يجوز أن يكون الطرف المشارك في الحرب هو نفسه من يقرر بصورة منفردة مسؤولية خصمه، ثم يستخدم أموال ذلك الخصم لفرض التعويضات.

وهنا يظهر التداخل بين القانون والقوة. فالولايات المتحدة تمتلك نفوذًا واسعًا داخل النظام المالي الدولي، لكنها لا تستطيع تحويل كل قرار سياسي إلى حق قانوني غير قابل للطعن. وفي المقابل، فإن تمسك إيران بملكية أصولها لا يلغي ضرورة معالجة المطالبات المشروعة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالدول والمنشآت المدنية نتيجة العمليات العسكرية.

وهذا هو جوهر المعضلة: كيف يمكن معالجة أضرار الحرب من دون تحويل التسوية المالية إلى استمرار للحرب نفسها؟

الأكثر حساسية هو احتمال إدخال دول الخليج في معادلة التعويضات.

فدول الخليج تحملت أعباء اقتصادية وأمنية نتيجة التصعيد، من اضطراب الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين إلى تهديد منشآت الطاقة والموانئ والمطارات. كما أن هذه الدول ترتبط بمصالح تجارية ومالية واسعة تتطلب الاستقرار، ولا تستطيع التعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره مسألة ثانوية.

لكنها تواجه في الوقت نفسه معادلة استراتيجية معقدة. فهي تحتاج إلى الشراكة الأمنية الأميركية، وتستضيف قوات وقواعد عسكرية تشكل جزءًا من منظومة الردع الأميركية في المنطقة، لكنها لا تريد أن تتحول هذه العلاقة إلى التزام مفتوح بتحمل نتائج كل مواجهة بين واشنطن وطهران.

وقد تنظر إيران إلى حصول دول خليجية على تعويضات من أموالها المجمدة باعتباره اصطفافًا سياسيًا مع الولايات المتحدة، خصوصًا إذا ربطت تلك التعويضات بالوجود العسكري الأميركي في المنطقة.

غير أن وجود قواعد أميركية على أراضي دولة خليجية لا يعني تلقائيًا مشاركتها في العمليات العسكرية، ولا يثبت وحده مسؤوليتها القانونية عن الحرب. فهذه مسألة تتطلب التمييز بين استضافة القوات، والسماح باستخدام الأراضي في عمليات محددة، والمشاركة المباشرة في الأعمال القتالية.

وهنا تكمن المفارقة الخليجية: دول تريد حماية أمنها من خلال شراكاتها العسكرية، وتسعى في الوقت نفسه إلى تجنب أن تصبح طرفًا في مواجهة إقليمية طويلة. وقد تكون مصلحتها في تسوية تضمن عدم تكرار الهجمات أكبر من مصلحتها في الحصول على تعويضات مالية قد تفتح نزاعًا جديدًا مع طهران.

أما إسرائيل، فإن احتمال إدخالها في أي ترتيبات تعويضية ممولة من الأصول الإيرانية سيضيف تعقيدًا سياسيًا أشد.

فإسرائيل طرف مباشر في المواجهة العسكرية، وأي استخدام لأموال إيران لتعويضها سيُفسَّر في طهران باعتباره محاولة لإجبارها على تحمل تكاليف العمليات التي نفذها خصمها العسكري.

ومثل هذه الصيغة قد تجعل قبول التسوية أكثر صعوبة داخل المؤسسات السياسية الإيرانية، لأنها ستنتقل من منطق تبادل التنازلات إلى ما قد يُنظر إليه باعتباره اعترافًا ماليًا بمسؤولية منفردة عن الحرب.

فالمفاوض يستطيع الدفاع عن اتفاق يقوم على الإفراج المتبادل عن الأموال، أو رفع العقوبات مقابل التزامات محددة، لكنه سيواجه اعتراضات أكبر إذا طُلب منه قبول تحويل أصول بلاده مباشرة إلى خصم عسكري.

قانونيًا، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا مما توحي به التصريحات السياسية.

فهناك فرق أساسي بين تجميد الأصول ومصادرتها. التجميد يعني تقييد القدرة على التصرف في الأموال، من دون أن يؤدي تلقائيًا إلى انتقال ملكيتها. أما المصادرة أو إعادة توجيه الأصول إلى أطراف ثالثة، فتثير مسائل تتعلق بالاختصاص القضائي والحصانة السيادية وطبيعة الأموال والأساس القانوني للتصرف بها.

ولا يكفي اتهام دولة بالتسبب في أضرار عسكرية أو اقتصادية لإنشاء حق تلقائي في الاستيلاء على جميع أصولها المجمدة. فالمطالبات بالتعويض تحتاج إلى أسس قانونية وإجراءات تختلف عن تلك التي تحكم العقوبات الاقتصادية.

وهذا التمييز مهم لأن القضية لا تتوقف عند إيران.

فالدول التي تحتفظ باحتياطيات وأصول سيادية داخل المؤسسات المالية الغربية تراقب كيفية التعامل مع الأموال المجمدة في أوقات النزاع. وإذا توسع استخدام هذه الأصول لأغراض سياسية أو تعويضية خارج الأطر القانونية المتعارف عليها، فقد تعيد بعض الدول تقييم المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بأموالها في الخارج.

وقد يدفع ذلك إلى تنويع الاحتياطيات وقنوات الدفع، والبحث عن ترتيبات مالية تقلل التعرض للعقوبات أو القرارات السياسية الأحادية.

لكن مثل هذا التحول لن يكون سريعًا أو تلقائيًا، لأن المؤسسات المالية الغربية ما تزال تتمتع بمزايا كبيرة تتعلق بالسيولة وعمق الأسواق والبنية القانونية. ولهذا فإن الأثر المحتمل لا يتمثل بالضرورة في انهيار النظام المالي القائم، بل في زيادة الحذر تجاه استخدامه أداة للصراع السياسي.

ومن الناحية التفاوضية، قد يكون التهديد بمصادرة الأموال أكثر تأثيرًا من تنفيذ المصادرة نفسها.

فما دامت الأصول مجمدة، تستطيع واشنطن أن تعرض الإفراج التدريجي عنها مقابل التزامات إيرانية محددة، أو أن تستخدم استمرار تجميدها وسيلة ضغط خلال المفاوضات.

أما إذا صودرت بصورة نهائية، فقد تفقد الولايات المتحدة واحدة من أهم الأوراق التي يمكن توظيفها لتشجيع طهران على تقديم تنازلات.

وفي المقابل، قد يؤدي التشدد في التهديد بالمصادرة إلى نتيجة عكسية. فكلما اقتربت الشروط الأميركية من معنى الإذعان السياسي، ازدادت صعوبة تسويق أي اتفاق داخل إيران، وقد يتحول الإفراج عن الأموال من حافز تقدمه واشنطن في نهاية المفاوضات إلى مطلب إيراني يسبق الدخول في التسوية.

وهكذا يصبح المال عقبة أمام الاتفاق، بدلًا من أن يكون جسرًا إليه.

وتبرز هنا احتمالات لترتيبات مالية وسط، إذا توفرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية. فقد تشمل الإفراج المرحلي عن بعض الأصول، أو السماح باستخدامها لأغراض إنسانية وتجارية محددة، أو إنشاء آليات مالية تخضع لرقابة متفق عليها، مقابل خطوات متبادلة في وقف التصعيد وتخفيف العقوبات.

ويمكن أيضًا بحث ترتيبات إقليمية لمعالجة الأضرار وإعادة الإعمار، شريطة ألا تقوم على افتراض أن طرفًا واحدًا يستطيع تحديد المسؤولية والتعويض بصورة منفردة.

لكن هذه الاحتمالات تبقى تصورات تفاوضية، وليست اتفاقات معلنة أو نتائج محسومة.

فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في إيجاد قناة لتحويل الأموال، وإنما في الاتفاق على معناها السياسي والقانوني. هل هي أصول تعاد إلى أصحابها ضمن تسوية؟ أم أموال تستخدم لأغراض إنسانية متفق عليها؟ أم تعويضات تقررت وفق آلية قانونية معترف بها؟

والفارق بين هذه الصيغ قد يكون حاسمًا في تحديد فرص نجاح المفاوضات.

أما دول الخليج، فإن مصالحها الاستراتيجية تقتضي النظر إلى ما هو أبعد من التعويضات المحتملة. فالأمن البحري واستقرار أسواق الطاقة وحماية المدن والمنشآت الحيوية لا يمكن ضمانها من خلال تسوية مالية وحدها، بل تحتاج إلى ترتيبات أمنية وسياسية تقلل احتمالات اندلاع مواجهة جديدة.

وبالنسبة إلى واشنطن، فإن الاحتفاظ بالأموال المجمدة يمنحها نفوذًا تفاوضيًا، لكنه يضع أمامها سؤالًا يتعلق بالغاية من استخدام هذا النفوذ: هل المطلوب الوصول إلى اتفاق قابل للاستمرار، أم فرض شروط مالية وسياسية قد تجعل قبول الاتفاق أكثر صعوبة؟

أما طهران، فإن تمسكها باستعادة أصولها لا يعفيها من مواجهة الكلفة الاقتصادية للحرب والعقوبات، ولا من الحاجة إلى معالجة المخاوف الأمنية الإقليمية التي تدخل ضمن حسابات أي تسوية شاملة.

وهكذا تقف الأطراف أمام معادلة متناقضة: الولايات المتحدة تريد استخدام الأموال للحصول على التزامات، وإيران تريد استعادتها من دون الاعتراف بشرعية عقوبة مالية مفروضة عليها، ودول الخليج تريد حماية أمنها من دون أن تتحول إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات.

في النهاية، لم يعد السؤال: كم تملك إيران من أموال مجمدة؟ بل: من يملك سلطة التصرف بهذه الأموال، وعلى أي أساس قانوني، ولأي غرض سياسي؟

فإذا استُخدمت الأصول المجمدة لبناء التزامات متبادلة، فقد تساعد على فتح طريق نحو وقف الحرب وتسوية آثارها. أما إذا تحولت إلى وسيلة لفرض رواية طرف واحد عن المسؤولية والعقاب، فقد تزيد الخلافات تعقيدًا، وتمنح الأطراف أسبابًا جديدة لرفض التنازل.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: المال الذي يمكن أن يفتح باب السلام إذا استُخدم ضمن تسوية متبادلة، قد يتحول إلى القفل الأخير على ذلك الباب إذا أصبح أداة لفرض الإذعان السياسي.

فالحروب قد تتوقف عندما تصمت المدافع، لكن السلام قد يتعثر طويلًا عندما يبدأ الخلاف على من يدفع فاتورتها، ومن يملك الحق في كتابتها، ومن يُطلب منه الاعتراف بشرعيتها.

إغلاق