أخبار

ماذا بعد تصنيف ستانفورد و قائمة 2% ؟

تظهر في كل سنة قائمة يطلق عليها قائمة الباحثين الأكثر تأثيراً من مختلف التخصصات في العالم.  وكما نعرف بأن هذا التصنيف بطبيعته تجاري، ويستند إلى المعلومات المنشورة في أبرز قواعد البيانات العالمية ، وبخاصة منصة Scopus التي تتبع ملكيتها لقاعدة بيانات Elsevier البريطانية ، والتي تحقق أرباح تتجاوز 1.2 مليار جنية إسترليني سنوياً ، وبهامش ربحي يصل إلى 38% . يعتمد تحقيق تلك الأرباح على بيع قواعد البيانات للمؤسسات البحثية حول العالم ، وبيع اشتراكات المجلات العلمية بجانب عوائد رسوم النشر التي تصل إلى 10 آلاف دولار للبحث الواحد والتي تختلف بحسب تصنيف المجلة .

الملفت للنظر أن هناك عدد من المجلات العلمية المصنفة في قواعد البيانات Scopus ، ولكن في الحقيقة هي مجلات مخترقة أو “Predatory Journals ” أي المجلات التي تحتوي على أكثر من موقع للمجلة، بسبب سرقته من جهات أخرى، ولازالت منصة Scopusتصنفها طالما تتقاضى رسوم اشتراك المجلة ، وتحصل على حصتها من الأرباح أو العوائد.  نجد أيضاً أن هناك العديد من المجلات التي تؤشر أرقامها ومعاملات التأثير على اقتراب خروجها من التصنيف ، ومعها نجد أن العدد الواحد قد يحتوي في بعض الأحيان على 300 بحث داخله، وتنحدر معه رسوم الاشتراك من 2000 دولار إلى أقل من 300 دولار ، ناهيك عن مستوى الأبحاث وجودتها العلمية، والأخطاء العلمية والنحوية التي تزدحم بها هذه البحوث . 

في الحقيقة لأشيء يوقف هذا النزيف العلمي الذي يقع ضحيته آلاف الباحثين من الدول النامية، والذي تظهر بعضهم في قوائم التأثير الأعلى في العالم  ، ومنهم قد لا يظهر اسمه في تلك القوائم لأسباب تتعلق بعدم قدرة المجلة على فهرسة محتوياتها ، تعود لأسباب فنية مثل لجان مراجعة المجلات وتقييم المحتوى ، أو بسبب معايير الجودة العلمية التي تتعلق بالمجلة ذاتها مثل منهجية تحكيم الأبحاث ، والالتزام بأخلاقيات النشر، وانتظام الصدور، ووجود عناوين وملخصات باللغة الإنجليزية، وتنوع هيئة التحرير والباحثين… الخ . وهذه الأخيرة شرط أساسي لدخول أية مجلة إلى منصة سكوبس ، وبالتالي فإن جميع المجلات لديها مثل هذه المعايير نظرياً على الأقل تنشر على موقع المجلة . 

من جهة أخرى، تشير المعلومات أن تخصصات الباحثين الأكثر تحقيقاً لمعايير النشر العلمي هي التخصصات العلمية البحثة كالطب والهندسة والعلوم والفيزياء والكيماء والبيولوجيا وبحوث الطاقة، وهذه البحوث التي لها تأثير تجريبي وتحتاج إلى أدلة دامغة لإثبات نتائجها ودلالتها العلمية، وبالتالي فإن هذه البحوث تؤهل بعض الباحثين للحصول على جوائز متقدمة مثل جائزة نوبل على سبيل المثال . أما البحوث النظرية فلا مجال للمقارنة، إذ نجد أنها بحوث عابرة وفي معظمها لا تستند إلى دلائل علمية رصينة ، كما أنها مكررة في كثير منها ، ولكنها طالما حققت شروط الدفع فيمكن نشرها بسهولة . هذه الممارسات منتشرة كثيراً في الجامعات العربية التي يعجز الكثير من باحثيها على تقديم مساهمات علمية رصينة في التخصص، وإنما فقط بحوث مكررة ومنسوخة من بيئات بحثية مختلفة، تميل إلى الاستبيان كأداة لجمع البيانات ، والاكتفاء بتحليل إحصائي بسيط لإثبات تلك النتائج .    

إن المعايير التي يستند إليها دخول أو خروج الباحثين في التصنيف يعتمد على أسس رقمية بحثتة ليست ذات دلالة ، فهي تستخدم إجمالي عدد الاستشهادات (Citations) أي عدد المرات التي يتكرر فيها البحث في البحوث الأخرى المشابهة ، ولكن هنا قد نجد أن الباحث نفسه يميل إلى الاستشهاد بعدد من بحوثه في الأعمال الأخرى Self Citation ، أو الاستعانة بصديق أو أصدقاء لذات الغاية انطلاقا من فكرة ” حك لي حتى أحك لك” . تكرار الاستشهاد يؤهل البحث إلى معايير أخرى مثل (H-index) أو H-10 بجانب مؤشر التأليف المشترك (Hm-index) .

في النهاية، تنطلق وسائل التواصل الاجتماعي لبث خبر الدخول في قائمة 2% ، وربما يدخل فيها أسماء ليسوا ذوي شأن في التخصص ،  وتنطلق التهاني تحت عبارات “قامات علمية” ، و” علماء  المستقبل”  ، “و دكتورنا ” و “أستاذنا المبجل” ولحسن الحظ لا يمكن هنا استخدام عبارة “تزهو بكم الألقاب “. كل ذلك والتنمية الاقتصادية في بلادنا في تراجع ، فمعدلات الفقر والبطالة بتفاقم، وتراجع معدل الوعي الاجتماعي بدرجة مذهلة، وتنامي ظاهرة “الدكترة”  حيث أصبح عددهم أكثر من الطلاب أنفسهم . وعليه، فإن كل ذلك يحتاج إلى وقفة مجتمعية جادة لمراجعة ومراقبة متصيدو العلم والمعرفة ، وخاصة في عصر AI ، حيث انتهاز فرص النشر والتأليف ، والادعاء الباطل ، وصولاً إلى فرص الحصول على مؤهلات عليا من مؤسسات بحثية أقل بكثير من أن يطلق عليها جامعات.

إغلاق