أخبار
جو 24 : وحدة المبتغى

الإبداع ليس مطلوبا من الجميع، وهو لا يقتصر عن كونه مجرد فكرة عابرة ما، إنما هو بمكانة المفتاح الصغير للباب الكبير الذي تكمن خلفه كل التفاصيل المنوطة بالابتكار، فإن نجحت النتائج لمن اجتهد وحاول، فسيحذو الكل على حذوه، وسيعم الخير على الجميع، ولكن هل من خاض غمار ذلك يقع جله على عاتقه، أم أن على الحكومة ذات العاتق الأقوى مشاركته بحمل ذلك.
البعض يَتَيَمَّن بنجاحه بالزراعة، وهو يعلم أن الماء لدينا شحيح، فيبدأ بالاطلاع على آخر أساليبها الحديثة، وأين المكان المناسب الذي سيجني منه المنتج المناسب وبالوقت المناسب، ولكن إن لم تقدم له الإرشاد والدعم الكامل للأسمدة ومواد مكافحة الآفات والآليات الزراعية، ورفعت من مستوى الحصاد المائي، وفرضت أجندتك الزراعية، وأصلحت آلية العمل بأسواق الجملة، ووازنت بين حاجة المواطن ليصل إليه المنتج بالسعر المناسب، وحاجة المزارع لتصدير جزء من منتجه للخارج، فلن يصل هذا المزارع إلى مبتغاه.
والبعض واعٍ بإتقانه الصناعة، فيبدأ بالبحث عن اليد العاملة الماهرة غير المرتفعة الأجر والمواد الخام المتوفرة محليا، والمطلوبة من الخارج، ويدرس قوانين الصناعة والعمل، فإن لم تؤمن الحماية الكاملة لمنتجه المحلي بعدم استيراد مثيله الأجنبي، ولم تقدم له كامل الإعفاءات لكل ما يلزم لمراحل صناعته من رسوم وأجور وطاقة وضرائب، فلن يصل هذا الصناعي إلى مبتغاه كذلك.
والبعض يثق بتفوقه بالسياحة، فيبدأ بدراسة الأسعار بالأماكن القريبة حوله، وكيفية تقديم الخدمة المميزة وطرق تسويقها للسائح بأقل التكاليف، وكيفية تنسيق باقته السياحية التي ستجمع بين السياحة الترفيهية والدينية والعلاجية، فإن لم تستقطب خطوط الطيران الاقتصادي المنخفض التكلفة، ورفعت من مستوى المواصلات الداخلية، ولم تشجع السياحة المحلية لتكون رديفا للسياحة الأجنبية أوقات ضعفها نتيجة أي من الظروف المحيطة، فلن يصل أيضا هذا السياحي إلى مبتغاه.
والبعض يُوقِن بإبداعه بالأعمار بمجال الإسكان والخدمات، فيدرس رغبات المستثمر وقدرته الشرائية، ويحدد الشريحة التي يستهدفها مشروعه، ويأمل أن يحقق له العائد الأكبر، وبالوقت الأقصر، ولكن إن لم تعمل على خفض معدل الفائدة البنكية إلى الحد الأدنى لها، ولم تؤمن له ولمن يرغب بالاستحواذ على أي من أعماله الإعفاءات كافة، ولم تنجز بالسرعة والإتقان كامل البنية التحتية والفوقية لمنطقته، ولم تحدد الصفة التنظيمية لموقع استثماره بعيدا عن العشوائية بالخلط ما بين السكني والتجاري والصناعي، فلن يصل هذا العقاري أبدا إلى مبتغاه.
كلنا نتوق لأن نرتقي معا بهذا البلد المبارك، نعمل بجد لتأمين متطلبات معيشتنا، ونتطلع دائما لتحقيق طموحاتنا، والعيش ما فوق الضيق، ودون الرغد هو المستوى المعيشي للأغلبية منا، نعم عزيزي القارئ، هي الطبقة الوسطى عماد المجتمعات التي تسعى الحكومات للحفاظ عليها، فتهاوي أي منها إلى براثن الفقر يزيد من ثقل مهامها، ويعطل النمو، ويفشل خطط التنمية المستدامة أملنا لتحقيق الخير لأحفادنا، ومن هنا يقع السعي وراء النجاح على عاتق الجميع، فهي وحدة لمبتغى الأفراد تتماهى مع مبتغى الحكومات، وحين إذن يصبح النجاح حليف الجميع.