أخبار
جو 24 : قبل أن يسبقنا الغد

يصل الأردن، في غضون عقد، إلى ذروة فرصته الديمغرافية؛ تلك المرحلة التي تتراجع فيها الخصوبة تدريجياً نحو مستوى الإحلال، أي قرابة 2.1 طفل لكل امرأة، فتقل نسبة الأطفال المحتاجين إلى الإعالة، وتتسع في المقابل كتلة السكان في سن العمل. عندها يملك المجتمع، لفترة محدودة، عدداً أكبر من المنتجين قياساً بمن يعولونهم؛ نافذة نادرة في عمر الأمم، قد تفتح على النمو والازدهار إذا وجدت عملاً وتعليماً واستثماراً، وقد تنغلق على عبء ثقيل إذا مرت من غير استعداد. وعند تلك العتبة، يقترب عدد السكان من أربعة عشر مليوناً، ويصبح أكثر من ثلثي المجتمع في سن العمل؛ كتلة بشرية هائلة تحمل في ظاهرها أجمل فرص البلاد، وفي باطنها أصعب امتحاناتها. أيد أكثر تعمل، وأفواه أقل تعتمد عليها، وشباب يمكن أن يتحول من عبء على الموارد إلى رصيد في الإنتاج والنهوض. فإذا وجدت هذه الملايين عملاً ومعرفة وأفقاً مفتوحاً، كان ذلك ربيعاً ديمغرافياً نادراً؛ أما إذا استقبلتها أبواب موصدة، ورواتب عاجزة، واقتصاد ضيق الأنفاس، فقد تنقلب الفرصة إلى عبء. وسيحتاج الأردن آنذاك إلى استحداث نحو 150 ألف فرصة عمل كل عام؛ كأن مدينة كاملة من الشباب تقف سنوياً على أبواب سوق العمل وتنادي: افسحوا لنا مكاناً في الحياة.
وفي الجانب الآخر من الصورة، تمضي الأسرة الأردنية في تحول عميق. فقد هبط معدل الخصوبة إلى نحو 2.6 طفل للمرأة، ويتجه نحو مستوى الإحلال، فيما يتأخر الزواج تحت ثقل السكن والعمل وتكاليف الحياة. وتقدر أعداد العزاب ممن تجاوزوا الثلاثين بنحو مليون وربع إنسان، ذكر وأنثى. إنها ليست حكاية عنوسة بقدر ما هي سيرة مجتمع تتبدل أعمار أسرته، وأحلام شبابه، وإيقاع بيوته. ثم يأتي الماء، ذلك القليل الذي يحمل على كتفيه وطناً كثير العطش؛ وتأتي المدن التي يزداد ثقلها كل عام، والطرق التي تضيق بسياراتها، والمستشفيات والمدارس والسكن والطاقة والنقل. ومع ازدياد التركز السكاني في الحواضر الكبرى، قد يصبح الازدحام أكثر من دقائق ضائعة في الطريق؛ صورة لاختناق أوسع في جسد الدولة إن سبقت الأعداد قدرة البنية التحتية على الاحتمال.
والفرصة الديمغرافية مثل موسم المطر؛ إن استقبلت بخزانات ممتلئة بالخطط صارت نماءً، وإن سالت فوق أرض مهملة مضت هدراً وربما خلفت وراءها السيول، وما يحتاجه الأردن اليوم ليس التنبؤ بالغد بقدر ما يحتاج شجاعة الاستعداد له؛ فذلك الغد يولد الآن، في كل مدرسة نبنيها أو نهملها، وفي كل وظيفة نصنعها أو نفقدها، وفي كل قطرة ماء نوفرها، وفي كل شاب نمنحه سبباً كي يؤمن بأن المستقبل مكان يستحق الوصول إليه.
ليس المخيف أن يصل الأردن إلى أربعة عشر مليوناً؛ المخيف أن يصل إليهم من غير أن يكون قد أعد لهم وطناً يتسع لأحلامهم. فخلال عقد واحد، سيكون أطفال مدارس اليوم هم السواعد التي تحمل اقتصاد الوطن، والعقول التي ترسم مستقبله، وقد يجد بعضهم نفسه يترقب فرصة لا تأتي، أو يشد الرحال بحثاً عنها وراء الحدود. والبيوت التي نبنيها الآن، والمياه التي نهدرها، والتعليم الذي نصلحه أو نتركه يشيخ، والوظائف التي نصنعها أو نؤجلها، كلها تكتب منذ هذه اللحظة ملامح الغد، والمستقبل لا يفاجئ إلا من أدار له ظهره.