أخبار

التحدي ليس في رقمنة الخدمات بل في تطوير الإدارة العامة #عاجل

جو24- مقدمة: هل نُرقمن البيروقراطية أم نعمل على إلغائها؟

بذل الأردن جهوداً كبيرة في تطوير الخدمات الحكومية الإلكترونية وتحديث الإدارة العامة، بهدف تحسين الكفاءة، وخفض التكاليف، وتسهيل الاستثمار، وتقديم خدمات أفضل للمواطنين.

لكن هناك فرقاً جوهرياً بين إتاحة الخدمة إلكترونياً وتحسين طريقة تقديمها فعلياً.

فقد يستطيع المواطن تقديم طلبه عبر منصة إلكترونية، ودفع الرسوم، والحصول على إشعار باستلامه، ولكن إذا استمر الطلب في المرور بالإدارات نفسها، واحتاج إلى الموافقات ذاتها، واستغرق المدة السابقة، فما الذي تغير؟

لقد جرت رقمنة الإجراء، لكن البيروقراطية بقيت على حالها.

الأردن لا يحتاج فقط إلى المزيد من الخدمات الإلكترونية، بل إلى إجراءات أقل، وقرارات أسرع، وتنسيق أفضل بين المؤسسات، وتحسينات ملموسة في مستوى الخدمات.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي: التحول الرقمي ليس مشروعاً تكنولوجياً فحسب، بل مشروع إصلاح إداري ومؤسسي متكامل.

أولاً: إنجازات مهمة وأسئلة أكثر أهمية

حقق الأردن تقدماً ملموساً في التحول الرقمي. فوفقاً للبيانات الحكومية المنشورة عن النصف الأول من عام 2026، بلغت نسبة الخدمات الحكومية التي جرت رقمنتها نحو 85.8%، ووصل عدد الهويات الرقمية المفعّلة عبر تطبيق «سند» إلى نحو 2.8 مليون.

كما أظهر مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة الصادر عن الإسكوا لعام 2025 تحسناً في النتيجة الإجمالية للأردن من 63% عام 2024 إلى 71% عام 2025، بينما بلغت نتيجة محور استخدام الخدمات ورضا المستخدمين 65%.

هذه إنجازات تستحق التقدير، لكنها تطرح أسئلة أساسية: كم مواطناً يستخدم الخدمات بانتظام؟ وكم معاملة تُنجز دون مراجعة الدوائر الحكومية؟ وكم انخفض زمن الإنجاز؟ وما الوفر المالي والإداري المتحقق؟

إن عدد الخدمات المرقمنة مؤشر على التقدم التقني، لكنه لا يكفي وحده لقياس نجاح التحول الإداري.

ثانياً: تطبيق «سند» بين التفعيل والاستخدام الفعلي

يمثل تطبيق «سند» خطوة مهمة نحو بناء هوية رقمية موحدة وتسهيل الوصول إلى الخدمات الحكومية.

غير أن تفعيل الهوية الرقمية لا يعني بالضرورة استخدامها بصورة منتظمة. فقد يفعّل المواطن هويته للحصول على وثيقة معينة، ثم لا يجد سبباً للعودة إلى التطبيق.

والتحدي هو تحويل «سند» إلى وسيلة يومية موثوقة لإنجاز المعاملات، بحيث يستطيع المواطن تجديد التراخيص، والحصول على الشهادات، ودفع الرسوم، ومتابعة الطلبات، واستلام الوثائق دون إجراءات إضافية.

كما ينبغي أن يعرف المواطن سبب تأخر معاملته أو رفضها، والجهة المسؤولة عنها، والمدة المتوقعة لإنجازها.

فالمطلوب ألا تصبح المنصة الإلكترونية وسيطاً إدارياً جديداً، بل أداة لإلغاء الوساطات والإجراءات غير الضرورية.

ثالثاً: إعادة هندسة الإجراءات قبل رقمنتها

تطورت الإدارة العامة الأردنية عبر عقود من التشريعات والأنظمة والتعليمات. وبعض الإجراءات ما زال ضرورياً، بينما فقد بعضها الآخر مبررات وجوده.

لذلك، يجب أن تسبق رقمنة الخدمات مراجعة شاملة للإجراءات.

ولنأخذ مثالاً افتراضياً لرخصة بناء تتطلب موافقات من عدة جهات. إذا أصبح تقديم الطلب إلكترونياً، بينما استمرت الموافقات المتسلسلة وتكرار الوثائق، فإننا نكون قد غيّرنا وسيلة التقديم دون معالجة أسباب التأخير.

أما التحول الحقيقي فيبدأ بالسؤال: هل جميع الموافقات ضرورية؟ وهل يمكن إصدار بعضها بالتوازي؟ وهل تستطيع المؤسسات تبادل المعلومات مباشرة؟

وهذا ما يُعرف بإعادة هندسة العمليات والإجراءات (Business Process Reengineering – BPR).

يجب ألا يُنقل أي إجراء حكومي إلى النظام الإلكتروني قبل دراسة إمكانية تبسيطه أو اختصاره أو إلغائه.

فليس من المنطق استخدام أحدث التكنولوجيا لتنفيذ إجراءات إدارية قديمة لم تعد هناك حاجة إليها.

رابعاً: الحكومة يجب أن تعمل كنظام واحد

لا ينبغي أن يُطلب من المواطن فهم الحدود الإدارية بين الوزارات والدوائر والبلديات والمؤسسات العامة.

فمن وجهة نظره، الحكومة جهة واحدة مسؤولة عن تقديم الخدمة.

ورغم التقدم في الربط الإلكتروني بين المؤسسات الأردنية، فإن التكامل التقني لا يعني بالضرورة التكامل الإداري.

فلماذا يُطلب من المواطن تقديم وثيقة تمتلكها مؤسسة حكومية أخرى، ما دامت المعلومات متاحة قانونياً ويمكن تبادلها بأمان؟

هنا تبرز أهمية مبدأ «تقديم المعلومة مرة واحدة» (Once-Only Principle)، الذي يمنع تكرار طلب المعلومات المتوافرة أصلاً لدى الجهات الحكومية المخولة.

كذلك، عندما تشترك عدة مؤسسات في إنجاز معاملة، ينبغي تحديد جهة واحدة مسؤولة أمام المواطن عن النتيجة والمدة الزمنية.

وإلا فإننا سنعيد إنتاج انتقال المواطن بين الدوائر الحكومية، ولكن بصورة إلكترونية.

خامساً: ثقة المواطن وسهولة الاستخدام

لا يمتلك جميع المواطنين المستوى نفسه من المعرفة بالتكنولوجيا. فهناك من يستخدم التطبيقات بسهولة، بينما يواجه آخرون، خصوصاً كبار السن وبعض الفئات الأقل خبرة، صعوبات في التعامل معها.

ومن الضروري التمييز بين عدم الرغبة في استخدام الخدمات الإلكترونية وعدم القدرة على استخدامها.

فالأولى تُعالج بتحسين الخدمة والتوعية، والثانية تحتاج إلى المساعدة والتدريب والتصميم المبسط.

ويمكن لمراكز الخدمات الحكومية الشاملة أن تؤدي دوراً مهماً في هذا المجال، شريطة ألا تتحول إلى نسخة حديثة من الدوائر التقليدية.

وينبغي أن يكون أحد أهدافها تمكين المواطنين من إنجاز معاملاتهم بأنفسهم مستقبلاً، مع استمرار تقديم المساعدة لمن يحتاج إليها.

فنجاح التحول الرقمي لا يعني إغلاق أبواب الخدمات أمام غير المتمكنين من التكنولوجيا، بل توسيع فرص الحصول عليها.

سادساً: التشريعات يجب أن تواكب التكنولوجيا

قد تسمح الأنظمة الإلكترونية بتبادل المعلومات وإصدار الموافقات فورياً، بينما تستمر بعض التعليمات في اشتراط التوقيعات الورقية أو النسخ المصدقة أو المراجعات الشخصية.

وهذا تناقض يجب معالجته.

لقد أقر الأردن قانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023، ووضع استراتيجية وطنية للتحول الرقمي للأعوام 2026–2028، مما يوفر أساساً تشريعياً واستراتيجياً مهماً.

لكن المطلوب هو مراجعة الأنظمة والتعليمات التي تعيق المعاملات الإلكترونية، وضمان الاعتراف القانوني بالوثائق والتوقيعات الرقمية، مع حماية خصوصية المواطنين وأمن معلوماتهم.

فالتحول الرقمي لا يكتمل بتطوير البرمجيات إذا ظلت التشريعات والإجراءات القديمة تحد من الاستفادة منها.

سابعاً: إدارة التحول الرقمي باعتباره مشروعاً وطنياً

من منظور إدارة المشاريع، يجب التعامل مع التحول الرقمي باعتباره برنامجاً وطنياً متكاملاً للإصلاح الإداري، وليس مجموعة منفصلة من مشاريع تكنولوجيا المعلومات.

ويتطلب ذلك تحديد الأهداف والمسؤوليات، ووضع جداول تنفيذ واقعية، وإدارة المخاطر، واعتماد معايير الجودة ومؤشرات الأداء.

وتتولى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة التنسيق التقني والاستراتيجي، بينما تتحمل المؤسسات الحكومية مسؤولية تحسين خدماتها ونتائجها.

كما ينبغي إخضاع المشاريع للتقييم المستقل، والاستفادة من منهجية التحسين المستمر (PDCA)، القائمة على التخطيط والتنفيذ والتحقق واتخاذ الإجراءات التصحيحية.

والأهم ألا يُعتبر تسليم النظام الإلكتروني من المقاول دليلاً كافياً على نجاح المشروع.

فالنجاح يتحقق عندما تصبح الخدمة أسرع وأسهل وأكثر موثوقية، وتحقق المنافع التي خُطط لها.

ثامناً: قياس النتائج وليس عدد التطبيقات

ينبغي أن ينتقل تقييم الحكومة الإلكترونية في الأردن من التركيز على عدد الخدمات المرقمنة إلى قياس أثرها الفعلي.

ومن أهم مؤشرات الأداء المطلوبة:

• نسبة المعاملات المنجزة إلكترونياً بالكامل.

• انخفاض متوسط زمن إنجاز المعاملة.

• عدد الموافقات والخطوات الإدارية التي أُلغيت.

• انخفاض تكلفة المعاملة الواحدة.

• نسبة نجاح المعاملات دون تدخل بشري إضافي.

• مستوى رضا المواطنين عن الخدمات.

ويجب نشر هذه المؤشرات بصورة دورية، مع مقارنتها بالوضع السابق للتحول الرقمي.

فإذا كانت معاملة تتطلب سابقاً ثلاث مراجعات وخمسة أيام عمل، وأصبحت تُنجز دون مراجعات وخلال ساعة واحدة، فهذا إنجاز ملموس.

أما إذا بقيت المدة والإجراءات على حالها، فإن الإنجاز يظل محدوداً مهما تطورت المنصة المستخدمة.

تاسعاً: التحول الرقمي والتنافسية الاقتصادية

تتجاوز أهمية الحكومة الإلكترونية تسهيل معاملات المواطنين إلى تحسين البيئة الاستثمارية والاقتصادية.

فالمستثمر الذي يريد إنشاء مصنع أو تنفيذ مشروع إنشائي يحتاج إلى تراخيص وموافقات من مؤسسات متعددة.

وأي تأخير إداري يزيد التكلفة ويؤثر في الجدول الزمني للمشروع.

ومن منظور إدارة المشاريع، قد يؤثر تأخر الموافقات الحكومية في المسار الحرج للمشروع (Critical Path)، تماماً كما تؤثر التأخيرات في التصميم أو التوريد أو التنفيذ.

لذلك، ينبغي إعطاء الأولوية لتبسيط خدمات تسجيل الشركات، والتراخيص الصناعية، ورخص البناء، والإجراءات الجمركية والضريبية.

فالحكومة الإلكترونية الفعالة ليست مجرد وسيلة لخدمة المواطن، بل أداة لتحسين الإنتاجية وجذب الاستثمار وتعزيز تنافسية الاقتصاد الأردني.

عاشراً: خارطة طريق عملية للأردن

لا يحتاج الأردن إلى البدء من جديد، بل إلى البناء على إنجازاته من خلال برنامج مرحلي واضح.

تبدأ المرحلة الأولى بتقييم الخدمات الأكثر استخداماً وتحديد أسباب التأخير، تليها إعادة هندسة الإجراءات وإلغاء المتطلبات غير الضرورية.

ثم تأتي مرحلة التكامل بين المؤسسات، بحيث تُنجز المعاملات عبر قنوات موحدة وتُتبادل المعلومات المسموح بها قانونياً بصورة آمنة.

وبعد التشغيل، يجب إجراء تقييم مستقل لزمن الإنجاز والتكاليف ورضا المواطنين، ثم استخدام النتائج للتحسين المستمر.

ومن الأفضل البدء بالخدمات ذات الأثر الأكبر على المواطنين والاستثمار، بدلاً من التوسع في رقمنة خدمات كثيرة دون التأكد من كفاءتها.

الخاتمة: المطلوب حكومة تعمل بطريقة مختلفة

حقق الأردن تقدماً مهماً في بناء البنية التحتية الرقمية وتطوير الخدمات الحكومية، وأصبح يمتلك قاعدة يمكن البناء عليها لتحقيق تحول إداري أعمق.

لكن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على النتائج، لا على عدد المنصات والتطبيقات.

فعندما تتأخر معاملة، يجب تحديد المسؤولية. وعندما يكون الإجراء غير ضروري، يجب إلغاؤه. وعندما يفشل النظام، يجب اتخاذ إجراءات تصحيحية قابلة للقياس.

ليس الهدف استبدال الطلب الورقي بطلب إلكتروني مع الإبقاء على الأعباء الإدارية نفسها، بل إعادة النظر في أسباب وجود تلك الأعباء أصلاً.

إن النجاح الحقيقي للتحول الرقمي في الأردن سيتحقق عندما لا يعود المواطن مضطراً إلى فهم تعقيدات الإدارة الحكومية لكي يحصل على خدمة عامة بسيطة.

وعليه، فإن المطلوب ليس مجرد حكومة إلكترونية، بل إدارة عامة أكثر كفاءة ومساءلة، وأكثر قدرة على خدمة المواطن والاقتصاد الوطني.

فنجاح الحكومة الإلكترونية لا يُقاس بعدد الخدمات التي نُقلت إلى الشاشات، بل بعدد الإجراءات التي أُلغيت، والوقت الذي وُفّر، والتكاليف التي انخفضت، والثقة التي تعززت بين المواطن ومؤسسات الدولة.

إغلاق