أخبار

حصان طروادة الاسرائيلي في حضن الكونجرس الجديد

حصان طروادة الاسرائيلي في حضن الكونجرس الجديد

جو24- كتب-عبدالله يوسف الزعبي

تتضمن موازنة الولايات المتحدة الأمريكية للسنة المالية 2027 بنداً من شأنه أن يدمج التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية في البنية الأساسية لوزارة الدفاع الأمريكية، مما يجعل الرئيس عاجزاً عن الانسحاب منه، مثلما ينزع من الكونغرس ولاية الرقابة، وسيسجل انتصاراً عظيماً لإسرائيل بتحويلها من متلق للمساعدات إلى شريك دائم في آلة الحرب الأمريكية، مع عواقب مدمرة على السيادة الأمريكية نفسها، ويمنح الكيان رخصة مجانية للهيمنة على العالم العربي والقضاء على حق الشعب الفلسطيني بأرضه وحريته وكرامته. ينشئ هذا البند، المعروف بالبند 219، تعاوناً تكنولوجياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل يبدو كتعاون عسكري روتيني بين حلفاء، بينما يمثل في الواقع عملية تنسيق للبحث والتطوير والاختبار والتقييم والدمج والتعاون الصناعي المشترك، كما ينشئ أطراً للمشاريع واتفاقيات الترخيص والإنتاج المشترك مع الصناعة الإسرائيلية، ما يمثل اندماجاً هيكلياً بين البلدين، حيث يتوجب على وزير الدفاع التشاور رسمياً مع وزير الدفاع الإسرائيلي، ما يمنح الأخير صلاحية مباشرة للتدخل في كيفية تنظيم البنتاغون لمؤسسته التكنولوجية. كما تعتبر آلية تنفيذ البند 219 مصدر الخطر الأكبر لأن الوكيل التنفيذي الذي يُعينه وزير الدفاع يمنحه صلاحية التقدم على رؤساء المكونات الأخرى في وزارة الدفاع في المجالات المرتبطة بمهامه، بما في ذلك قادة القوات المسلحة ورؤساء الوكالات الدفاعية. وهذا يعني أن الوكيل يمكنه ممارسة ضغط مؤسسي كبير على إدارة أمن التكنولوجيا الدفاعية المسؤولة عن حماية التكنولوجيا الحساسة من التسريب إلى كيانات أجنبية. والأخطر، أن هذا الوكيل يعين من قبل وزير الدفاع وحده، دون عملية تأكيد منفصلة أو رقابة من الكونغرس على كيفية ممارسته لسلطاته، مما يعني أن الكونغرس يتنازل عن المزيد من سلطته الرقابية للفرع التنفيذي. كما أن العديد من مجالات التعاون المحددة تحمل مخاطر استخباراتية مضادة كبيرة، لأن مشاركة تطورات الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة مع شريك أجنبي قبل أن تطور الولايات المتحدة لوائح تنظيمية كافية لحكم استخدامها يضعها تحت تأثير مباشر لذلك الشريك. أكثر التحليلات دقة للبند 219 جاءت من معهد كوينسي للسياسة الخارجية ومؤسسه المشارك، الصحفي الاستقصائي اليهودي إيلي كليفتون، الذي وثق كيف صمم البند لتجاوز الرقابة وتثبيت الاندماج العسكري، محذراً من أن هذا التعاون يفرض ضغوطاً لا مبرر لها على حماية المصالح التكنولوجية الأمريكية.

وتتضمن التفاصيل الفنية والعسكرية للبند 219 التعاون في مجالات بحث وتطوير حساسة وسرية في الولايات المتحدة تشمل الأنظمة المضادة للطائرات بدون طيار، والدفاع الصاروخي والجوي، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات الكم، والأنظمة المستقلة، وأسلحة الطاقة الموجهة، والدفاع السيبراني والحرب الإلكترونية، والتقنيات الحيوية، والدفاع الطبي، ودمج الشبكات والبيانات. كما يستهدف البند تقنية مكافحة الأنفاق ويشمل أنظمة الاستشعار المتقدمة. والأهم من ذلك، أن البند 219 يهدف إلى دمج التكنولوجيات الإسرائيلية في برامج الأسلحة الأمريكية الرسمية بحلول عام 2030، وهي البرامج التي يمولها البنتاغون ويعتمدها رسمياً، والتي يصبح سحبها مكلفاً مالياً وسياسياً، ويتطلب إعادة التنافس على العقود وإعادة اعتماد الأنظمة، مما يخلق تبعية طويلة الأمد.

كشف مسار التصويت في مجلس النواب الذي أجري في 22 يوليو 2026 عن خلل في قلب العملية التشريعية، إذ أقر المجلس قانون تفويض الدفاع الوطني بقيمة 1.15 تريليون دولار بفارق ضيق بلغ 216 مقابل 212، بدعم 209 من النواب الجمهوريين وستة ديمقراطيين ومستقل. والأكثر دلالة هو كيف نجا البند 219، فقد قدم النائبان رو خانا وتوماس ماسي تعديلاً لإزالة البند من الموازنة، لكن لجنة القواعد في مجلس النواب رفضت ببساطة إدراج التعديل في النظام، مما منع أي نقاش أو تصويت منفصل على إزالته. وقد وصف ماسي البند بأنه خيانة للسيادة الامريكية، وكتب جو كنت، الرئيس السابق للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب، أن مجلس النواب صوت لـدمج أكثر عناصر المنظومة الدفاعية والاستخباراتية سرية وحساسية مع حكومة أجنبية. وحذرت 56 منظمة حقوقية ومدنية، من بينها العفو الدولية والاتحاد الوطني للمحامين، من أن خلق نقاط نفوذ جديدة لإسرائيل في منظومة التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية خطير للغاية، في وقت تتباعد فيه المصالح الأمريكية عن إسرائيل ويتحول الرأي العام ضد الدعم غير المشروط.

المعركة تنتقل الآن إلى مجلس الشيوخ، حيث يعرف بالبند 1217. وكان الديمقراطيون قد عرقلوا اقتراح المضي في الإجراء وسط تصاعد معارضة الحرب على إيران، لكن ما زال أمامه نافذة ضيقة لإقراره في جلسة البطة العرجاء، رغم أن انتخابات التجديد النصفي قد أوصلت موجة من الديمقراطيين الذين ترشحوا ضد الدعم غير المشروط لإسرائيل. ومع ذلك، تظل القيادة الديمقراطية حصناً للإجماع القديم المؤيد لإسرائيل من الزعيم الديمقراطي في مجلس الشيوخ تشاك شومر إلى الزعيم الديمقراطي في مجلس النواب حكيم جيفريز، ولم يتعهد أي منهما علناً بإزالة البند 219. وقد لا تترجم مطالب النواب الجدد إلى تغييرات في السياسة إذا حسم الكونغرس المنتهية ولايته قانون تفويض الدفاع الوطني قبل وصولهم، فقد يرث الكونغرس الجديد أمراً واقعاً عبر علاقة عسكرية متجذرة في القانون إلى حد يصبح معه التحدي لها شبه مستحيل.

يمثل البند 219 قطعاً نهائياً بين السياسة الخارجية وأدوات المداولة الديمقراطية كونه يشرع لعلاقة غير مسبوقة مع اسرائيل ويخلق معها علاقة تكنولوجية متعددة الأجيال، وأكثر قوة من أي علاقة أخرى قائمة اليوم، حتى مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة، من مثل العيون الخمس وحلف شمال الأطلسي. لكن عواقبه تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الآلة البيروقراطية في واشنطن؛ إذ يعتبر انتصاراً استراتيجياً لإسرائيل يكرس موقعها كفاعل أمني مهيمن في الشرق الأوسط، مع وصول مضمون إلى التكنولوجيا الأمريكية وقدرة الإنتاج. وأما بالنسبة للعرب، فيزيل البند كل الأوهام المتبقية حول الانحياز الأمريكي، وسيربط الإدارات المستقبلية بالمصالح الاستراتيجية لتل أبيب. إذاً، تصبح المعركة حول البند 219 فيما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تملك سياسة خارجية تخص شعبها، أم أنها سلمتها بصورة دائمة لإسرائيل ولوبياتها، فإذا اندمجتا، فإن كل عملية عسكرية إسرائيلية مستقبلية، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو لبنان أو إيران، تصبح، جزئياً، عملية أمريكية. لقد صوت مجلس النواب بالفعل على تسليمها، ويبقى أمام مجلس الشيوخ فرصة أخيرة لوقف حصان طروادة الإسرائيلي هذا، وإذا لم يفعل، فإن العواقب لن تقاس باللغة التشريعية، بل بحياة الناس في أمريكا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط الذين سيدفعون ثمن آلة حرب لا تحاسبها صناديق الاقتراع. لذلك، لن يواجه الفلسطينيون والعرب الآخرون الجيش الأمريكي مباشرة، لكنهم سيقاتلون جهازاً عسكرياً لا ينفصل بنيوياً عن الجهاز الذي يسلح إسرائيل ويمولها ويدافع عن احتلال أراضيهم.

إغلاق