أخبار
جو 24 : خطاب العرش: قوة الدولة وشرعيتها

جو24- تتجاوز أهمية خطاب العرش مضامينه المباشرة إلى المنطق السياسي الذي يحكم بناءه، وطبيعة العلاقة التي يقيمها بين الدولة والمجتمع ومصادر القوة الوطنية. فجلالة الملك عبدالله الثاني قدم تصورًا لقوة الدولة يقوم على تفاعل التماسك الاجتماعي والشرعية السياسية والقدرة المؤسسية، ضمن بيئة إقليمية تضغط على المصالح الحيوية للأردن. وتكمن أهمية هذا التصور في إدراكه أن الأمن الوطني عملية سياسية واجتماعية واستراتيجية مستمرة، تتحدد فاعليتها بقدرة الدولة على إنتاج الثقة وحماية سيادتها وتحقيق الإنجاز.
من هذا المنظور، يكتسب استهلال الخطاب بحادثة الكرك دلالة تتجاوز الحادثة ذاتها، فالدولة تحتاج في مواجهة التهديدات إلى قاعدة اجتماعية متماسكة تعزز قدرتها على الصمود. ويشكل التضامن الوطني أحد أهم مصادر رأس المال الاجتماعي الذي تستند إليه الدولة في أوقات الأزمات، فعندما تتجذر الثقة بين المجتمع ومؤسساته، تتحول الهوية الوطنية إلى مورد استراتيجي يعزز الاستقرار ويرفع كلفة محاولات اختراق المجتمع وتفكيك روابطه. ويقودنا ذلك إلى سؤال الشرعية، فالتماسك الاجتماعي يحتاج إلى مؤسسات تحافظ على الثقة التي ينتجها المجتمع. وهنا تبرز أهمية تأكيد الملك أن الأمة مصدر السلطات، وأن الاختلاف في الرأي مصدر قوة. ففي علم الاجتماع السياسي، ترتبط استدامة الشرعية بقدرة النظام السياسي على استيعاب التعددية وتنظيم التنافس وتعزيز المشاركة. ويكتسب البرلمان أهميته من قدرته على تحويل التنوع الاجتماعي إلى مشاركة سياسية فاعلة، ومن مساهمته في الرقابة والمساءلة وتطوير السياسات العامة.
هذه العلاقة تكتمل عندما الشرعية إلى قدرة مؤسسية على الإنجاز. فالتنمية التي يشعر المواطن بنتائجها تعيد إنتاج الثقة بالدولة، وتمنح المؤسسات رصيدًا متجددًا من المشروعية، وتؤسس هذه العلاقة لما تسميه الأدبيات السياسية شرعية الأداء، التي تتعزز بالكفاءة والعدالة والمساءلة. ومن هنا نفهم التشديد على أن الوظيفة العامة مسؤولية، وأن سيادة القانون تشمل الجميع.
يمتد هذا المنطق إلى البيئة الاستراتيجية للأردن. فالملك يربط استقرار المنطقة بإنصاف الشعب الفلسطيني مركزًا في الوقت ذاته على أن الأطماع التوسعية الإسرائيلية تهدد مستقبلها. وتكشف هذه المقاربة عن إدراك للعلاقة البنيوية بين العدالة والشرعية والأمن الإقليمي، وعن رفض تحويل اختلال موازين القوة إلى مصدر للحقوق السياسية. ويكتسب الموقف الأردني أهميته من ارتباط القضية الفلسطينية المباشر بالمصالح الوطنية الأردنية وبمستقبل التوازنات الإقليمية.
وفي السياق ذاته، تحمل المركزية الاستثنائية للأمن المائي دلالة استراتيجية عميقة. فالتأكيد الملكي على أن المياه لا تقبل المساومة أو المهادنة يحدد أحد الخطوط الحمراء للمصلحة الوطنية، ويعكس استعداد الأردن للدفاع عن حقوقه وموارده الحيوية. وتكشف هذه اللغة عن انتقال المياه إلى قلب مفهوم السيادة والأمن القومي، وعن إدراك أن الاستقلال الاستراتيجي يرتبط بقدرة الدولة على حماية مواردها والتحكم في شروط استدامتها. كما تمنح هذه الرسالة السياسة الأردنية وضوحاً في تحديد المصالح التي تستوجب الحزم والاستعداد لحمايتها.
تكمن الرسالة الأعمق للخطاب في أن قوة الدولة عملية تراكمية تبدأ بالثقة المجتمعية، وتتعمق بالشرعية والمشاركة، وتترسخ بالإنجاز المؤسسي، وتكتمل بالقدرة على حماية المصالح الوطنية. فالدولة التي تستمد قوتها من مجتمع متماسك ومؤسسات فاعلة تمتلك رصيداً استراتيجياً يعزز استقلال قرارها، ويوسع قدرتها على مواجهة التهديدات والدفاع عن حقوقها ومصالحها.