أخبار
جو 24 : اليوم العالمي للصحة النفسية

أطفالنا لا يحتاجون إلى علامات أعلى بقدر حاجتهم إلى أن نراهم
في كل صباح، يدخل الطلبة مدارسهم بحقائب تحمل الكتب والدفاتر، لكن بعضهم يحمل أعباء لا تظهر في الجداول المدرسية، قد يجلس طفل أمام ورقة الامتحان عاجزًا عن التركيز، أو ينسحب آخر من اللعب، أو يتحول طالب كان هادئًا إلى كثير الغضب، نرى السلوك، ونحصي العلامات، ونكتب الملاحظات، لكننا لا نتوقف دائمًا لنسأل: هل نعرف فعلًا ما الذي يحدث خلف هذا التغير؟
يصادف العاشر من تشرين الأول اليوم العالمي للصحة النفسية، وهي مناسبة تذكّرنا بأن المدرسة ليست مكانًا لتلقي المعرفة وحدها، بل مساحة تتشكل فيها شخصية الطفل، وشعوره بالأمان، وثقته بنفسه وبالآخرين، ومن هنا، ينبغي أن يبدأ الحديث عن الإنسان قبل التحصيل، وعن الاحتواء قبل العقوبة، وعن فهم الأسباب قبل إصدار الأحكام.
ليس المقصود أن تصبح المدرسة عيادة، أو أن يتحول كل تعثر دراسي إلى مشكلة نفسية، فالتعليم يحتاج إلى الانضباط، والطالب يحتاج إلى التوجيه، والسلوك الخاطئ لا يجوز تجاهله لكن الانضباط الذي لا يرى ظروف الطفل قد يتحول إلى ضغط إضافي، والعقوبة التي لا ترافقها محاولة للفهم قد توقف السلوك مؤقتًا دون أن تعالج أسبابه.
قد يعيش الطالب خلافات في المنزل، أو يتعرض للتنمر، أو يشعر بالخوف من الفشل، أو يواجه صعوبة في تكوين الصداقات، وقد تكون هناك عوامل أخرى لا يعرفها المعلم أو الإدارة، لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال الوحيد: لماذا لم ينجز واجبه؟ بل ينبغي أحيانًا أن نسأل أيضًا: هل يستطيع إنجازه في الظروف التي يعيشها؟ وهل يحتاج إلى دعم إضافي كي يستعيد قدرته على التعلم؟
إن الطالب الذي يشعر بالأمان يكون أقدر على المشاركة وطلب التوضيح والاعتراف بالخطأ، أما الطالب الذي يتوقع الإهانة كلما تعثر، فقد يتعلم إخفاء أخطائه بدلًا من تصحيحها، أو مهاجمة الآخرين قبل أن يصبح هدفًا للسخرية. ومن هنا، فإن بناء بيئة مدرسية آمنة ليس تفصيلًا ثانويًا في العملية التعليمية، بل جزء من مسؤوليتها التربوية.
وتبدأ هذه البيئة بلغة الكبار، فالكلمة التي تصف الطفل بأنه فاشل قد تلتصق بذاكرته طويلًا، بينما يستطيع النقد الذي يحدد الخطأ دون إهانة صاحبه أن يفتح بابًا للتغيير، كما أن منع التنمر لا يتحقق بمجرد تعليق لافتة في الممر، بل يحتاج إلى متابعة واضحة، وقنوات آمنة للإبلاغ، وتعامل جاد مع الشكاوى، وتعاون بين المدرسة والأسرة.
وللأسرة دور لا يقل أهمية. فليس من العدل أن نسأل أبناءنا عن علاماتهم فقط، ثم نستغرب حين يعجزون عن الحديث عن مخاوفهم، يحتاج الطفل إلى أن يعرف أن المحبة لا تتوقف على المرتبة الأولى، وأن الخطأ لا يلغي قيمته، وأن الاعتراف بالمشكلة لن يحوله إلى موضع للسخرية أو المقارنة الدائمة مع إخوته وزملائه.
أما المعلم، فلا ينبغي أن يُترك وحده أمام كل هذه المسؤوليات. فهو أيضًا إنسان يحتاج إلى بيئة عمل داعمة، وتدريب مناسب، ومرشدين متخصصين، وآليات واضحة للتعامل مع الحالات التي تتجاوز خبرته، ومن غير الواقعي أن نطالب المدرسة باحتواء الجميع دون توفير الأدوات والموارد اللازمة لذلك.
وفي الأردن، يمكن تعزيز هذا المسار بتقوية الإرشاد المدرسي، ونشر الوعي بين أولياء الأمور، وتدريب الكوادر على ملاحظة التغيرات السلوكية والتعامل معها بمهنية، مع احترام خصوصية الطلبة وعدم التسرع في التشخيص، وعندما تظهر مؤشرات تستدعي تدخلًا متخصصًا، يصبح التعاون مع الأسرة والجهات المعنية ضرورة لا خيارًا.
في اليوم العالمي للصحة النفسية، لنتذكر أن النجاح المدرسي ليس رقمًا على كشف العلامات فقط، فالمدرسة الناجحة لا تكتفي بتخريج طالب يعرف الإجابة الصحيحة؛ إنها تساعده أيضًا على فهم نفسه، واحترام غيره، وطلب المساعدة حين يحتاج إليها.
فقد ينسى الطفل درسًا تلقاه في الصف، لكنه قد يتذكر طوال عمره كيف عامله معلمه في اليوم الذي لم يكن فيه بخير.