أخبار

انتقال السلطة الذي أربك واشنطن وتل أبيب

جو 24 :

كتب زياد فرحان المجالي – 

في تاريخ الدول، لا تكون لحظات انتقال السلطة مجرد حدث إداري في هرم القيادة، بل لحظة سياسية تكشف عمق التوازنات داخل النظام وتعيد رسم حسابات الخصوم في الخارج. ولهذا بدا الإعلان الذي صدر في طهران أمس عن انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى للجمهورية الإسلامية لحظة تتجاوز حدود إيران الداخلية لتصل مباشرة إلى قلب الصراع الإقليمي.

فوفق المعطيات التي تسرّبت من داخل المؤسسات الإيرانية، جرى تثبيت اختيار مجتبى خامنئي بتوافق واسع داخل بنية النظام، حيث أيدته مؤسسات أساسية في الدولة، من مجلس الخبراء إلى البرلمان، مع دعم واضح من الحرس الثوري الذي يمثل أحد أعمدة النظام السياسية والعسكرية.

هذه السرعة في تثبيت القيادة الجديدة لم تكن تفصيلًا إجرائيًا. ففي العادة تميل الأنظمة التي تواجه ضغوطًا خارجية هائلة إلى حسم مسألة القيادة بسرعة، لأن الفراغ في مثل هذه اللحظات قد يتحول إلى عامل اضطراب داخلي. ومن هنا يمكن فهم الرسالة الأولى التي أرادت طهران إرسالها: النظام الذي تأسس بعد ثورة 1979 لا يزال قادرًا على إعادة إنتاج قيادته دون اهتزاز.

لكن المفارقة أن هذا التطور الذي بدا داخل إيران خطوة نحو تثبيت الاستمرارية، أثار في المقابل حالة من الامتعاض في واشنطن وتل أبيب.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد عبّر في أكثر من مناسبة عن رفضه لفكرة وصول شخصية تنتمي إلى الدائرة الضيقة للقيادة الإيرانية إلى موقع المرشد الأعلى، مفضّلًا – وفق تصريحاته – ظهور قيادة “أكثر اعتدالًا” يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل معها في إطار تسويات مستقبلية.

غير أن ما حدث في طهران جاء على النقيض من هذه التوقعات. فانتخاب شخصية من داخل البيئة السياسية نفسها التي تشكلت حول مؤسسة المرشد خلال العقود الماضية يعني أن إيران اختارت الاستمرارية بدل التغيير في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

وفي تل أبيب بدت ردود الفعل أكثر قلقًا وإن جاءت بصيغة غير مباشرة. فإسرائيل، التي ترى في إيران التحدي الاستراتيجي الأكبر لها في المنطقة، كانت تراهن في بعض تقديراتها على أن لحظة انتقال القيادة قد تفتح بابًا لاضطراب داخل النظام الإيراني.

لكن ما حدث أرسل رسالة مختلفة تمامًا.

فالنظام الإيراني، بدل أن يدخل في مرحلة ارتباك بعد غياب قيادته التاريخية، بدا وكأنه يسرّع عملية تثبيت القيادة الجديدة، في محاولة واضحة لإظهار أن بنية السلطة ما زالت متماسكة.

وهنا تكمن النقطة التي تثير القلق الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية.

فإسرائيل لا تخشى فقط القوة العسكرية الإيرانية أو برنامجها النووي المحتمل، بل تخشى أيضًا قدرة النظام نفسه على الاستمرار والاستقرار. لأن الصراع الطويل بين طهران وتل أبيب لا يدور فقط حول الأسلحة أو الجغرافيا، بل حول الزمن السياسي: من يستطيع أن يصمد أطول.

ومن هذا المنظور، فإن استقرار القيادة في طهران قد يمثل بالنسبة لإسرائيل تطورًا استراتيجيًا مقلقًا، لأنه يعني أن النظام الإيراني ما زال قادرًا على عبور لحظات التحول الكبرى دون أن يتصدع.

أما في واشنطن، فإن المسألة تبدو أكثر تعقيدًا. فالسياسة الأمريكية تجاه إيران قامت خلال السنوات الماضية على فرضية أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد تدفع النظام في نهاية المطاف إلى تغيير سلوكه أو ربما إلى إضعاف بنيته الداخلية.

لكن انتقال القيادة بهذه السرعة قد يضع هذه الفرضية أمام اختبار صعب. لأن النظام الذي ينجح في عبور لحظة انتقال السلطة بسلاسة يكتسب في العادة قدرًا إضافيًا من الثقة الداخلية، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على سياسته الإقليمية.

ومع ذلك، فإن انتخاب المرشد الجديد لا يعني بالضرورة أن إيران دخلت مرحلة سياسية مختلفة بالكامل. فالنظام الإيراني ليس مجرد مؤسسة واحدة، بل شبكة معقدة من المؤسسات الدينية والسياسية والعسكرية، وكل واحدة منها تشارك في صياغة القرارات الكبرى.

لكن الرسالة التي خرجت من طهران أمس كانت واضحة: النظام الإيراني لا يرى نفسه في لحظة نهاية، بل في لحظة استمرارية.

وهذه الرسالة تحديدًا هي ما جعل بعض الدوائر في واشنطن وتل أبيب تنظر إلى الحدث بقدر من القلق. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يعلّمنا أن الأنظمة التي تنجح في تثبيت قيادتها في لحظات الضغط الكبرى غالبًا ما تتحول إلى لاعبين أكثر ثقة في المرحلة التالية.

وفي صراع طويل مثل الصراع بين إيران وخصومها، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو من أصبح المرشد الأعلى في طهران، بل ما إذا كان هذا الانتقال السريع في القيادة سيقود إلى مرحلة جديدة من تثبيت النظام بدل إضعافه.

ففي حسابات السياسة الدولية، قد يكون استقرار الخصم أحيانًا أكثر إرباكًا من سقوطه.

إغلاق